كأنك تراه

إثر حوار مقتضب بيني وبين شخص سألني إن كنت أود قراءة كتاب استهواه، انقدح عندي زناد تدوين هذه التدوينة

وذلك أنني حين علمت أن الكتاب المراد قراءته ما هو إلا رواية، شعرت أن الأمر لا يستحق

فقلت للشخص – اعتذارا عن القراءة – لقد اعتزلت القراءة

فما كان منه إلا أن رماني بثلاث طـَـلـَـقات

الرصاصة الأولى قوله : اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد

الرصاصة الثانية قوله – وقد نفذت هذه إلى حيث ما نفذت – : حيثما تقرأ فأنت تحيا حيوات في حياة

الرصاصة الثالثة : استشهاده بسلوكٍ قرائيٍّ لفئة بشرية تـُـصـَـنـّـف على أنها متقدمة حضاريا

فما كان مني إلا أن قلت له … لقد كسبتَ الحوار

وما قلت ما قلت أخيرا إلا شعورا بصعوبة استخلاصي لما أنطوي عليه من موقف حيال القراءة والحياة عموما

فها أنذا هنا أحاول استخلاص ذلك

تاق عقلاء البشر على مر الزمن لمعرفة الوجود وأسراره

ومن أشهر أولئك المصنفين على أنهم حكماء … شيخ الفلاسفة … أرسطو

وأظنني فطنت إلى سر حكمته

كان يصفه أستاذه أفلاطون … بالقرّاء

إذن

فقد حظي بطلنا بزخم معرفي فنيت من أجله حيوات

ولعل في هذا إشارة شبه صريحة إلى الرصاصة الثانية

أما فيما يخص الرصاصتين الأولى والأخيرة … فهنا المحك

يتوق الإنسان بلهفة مسعورة وإن كانت مستورة إلى السمو والعظمة .. لا لذات العظمة بل لأن كنه الإنسان ينطوي على سر إلهي يومض بخفوت بين الفينة والفينة فيستحث الإنسان على تتبع أثر الومضة بالسير في دروب طلب المعرفة

وهذا المسير هو الذي أركز عليه الآن

ليس للإنسان ميدان لإنسانيته سوى هذا الوجود

وإذ ذاك … فعليه إذن أن يقرأ كتاب الوجود هذا

وحيث إنه تجب رؤية ما تتم قراءته … إذن على الإنسان أن يوجه عينه القارئة نحو كتاب الوجود حتى تقع حروفه عليها فيدرك العبارة

ها نحن الآن نستعيض شيئا فشيئا عن القراءة التقليدية بقراءة مختلفة وعين أخرى

ومن المؤكد قطعا لذوي الألباب أنه لا يمكن فهم كتاب ذي لغة ما إلا بفهم تلك اللغة

فمن أين للإنسان أن يتحصل على تلك اللغة؟ فلا يجوز مثلا أن يلجأ لكتاب الوجود كي يتعلم من خلاله كيف يقرؤه

لأنه إن فعل ذلك فهو يناقض نفسه … إذ كيف له أن يفهم من كتابٍ – لا يفهمه – طريقةَ فهم الكتاب

هذا طبعا بافتراض أن الإنسان يولد أبيض دون خلفية مسبقة عن أية لغة أيا كانت

نخلص حتى الآن إلى الآتي

هناك ما يؤز الإنسان أزّا كي يسمو ويتعاظم

ميدان هذا التعاظم هو الوجود

هذا الوجود مكتوب بلغة تستلزم الإنسان أن يجدها خارج الكتاب، حتى إذا ما وجدها وألـِف التعامل بها استطاع فهم الكتاب

وحينها فقط … له أن ينهل من مضمونات هذا الكتاب فيسمو ويتعاظم، متى ما شاء .. وأينما شاء

فالوجود يكتنف الإنسان بكليـّـته الزمانية والمكانية

اللغة منقوشة في عينه ولكنها تتطلب تجلية مستمرة لتحصل بالقراءة التحلية المستمرة

والآن أزيل الغموض

السر الإلهي الكامن في كنه الإنسان هو تهيؤه لعبادة رب خالق

ومـُـتـَـعـَـبـّـــَـدُ الإنسان ومسجده هو قراءة هذا الوجود

ولغة الوجود منقوشة في عين قلبه إلا أن الإنسان ليستظهرها عليه أن يستلهم طرق إزالة الحـُـجـُـب عنها بوحي سماوي من خارج الوجود

فإذا ما حاز الإنسان عليها من شريعة ما … وإذا ما زاولها ليل نهار … انجلت عين بصيرته وانكشف له الوجود فبان للإنسان جمال الكاتب سبحانه من خلال كتابه

فهنا … يدمن الإنسان القراءة ويندمج مع الكاتب حبا وعشقا وامتنانا … وما شئت من مخرجات النفس المتنورة

حينها … وحينها فقط … تسوغ العبارة القائلة … وخير جليس في الزمان كتاب

ودمتم

Advertisements

7 thoughts on “كأنك تراه

  1. تدوينه جميلة

    كتاب الوجود اذا اردت تعلم لغته فعليك بالقرآن

    بارك الله فيك

  2. شكرا لك. ما أحوجني لهكذا حفز وتشجيع ممزوج بإطراء لطيف يبعث على الهمة. اللهم ارزقنا فهم كتابك والعمل به.

  3. لك كل العذر، كما لك كل الشكر. هكذا أعي مستوى كتابتي الحقيقي. أخشى أن أشرح لك المغزى فأحيد بك أكثر عما أقصده. زبدة التدوينة هي أن التقوى تثمر الحكمة، قال تعالى: واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم – آخر الآية 282 من سورة البقرة. لك أن تعود إلى هذا الرابط إن أحببت

    http://www.alukah.net/sharia/0/93845

    وأستغفر الله على كل حال ومقال

رأيك؟ حبذا لو أدرجت اسمك أو عنوان بريدك الإلكتروني

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s