ماســِـْـك – بكسر السين أو بتسكينها

ذاتك …. إنت …. ما أنت؟

تخيل أنّك تم تجريدك من كل ما لو تـَـخـَـلـّـيـْـت أنت عنه بـَـقـَـيـْـتَ تستطيع أن تتخيّل

يا ترى … ماذا ستكون حينها؟

لا أظن أن تجربة مراودة حلم ما لك هي بالضبط ما أعنيه … صحيح أنك خلال الحلم تكاد تكون تخليت عن أغلب القيود

وأهمها قيد التزامك بسيناريو مسلسل حياتك وعدم خروجك عن نص حلقة تلك الليلة التي خرجت منها إلى الحلم … بيد أني أود النفوذ إلى ما هو أعمق من ذلك … إذ إنك في الحلم لا تزال تفكر وتتحدث وتتصرف لا بـِـتامّ الحرية الفطرية، إنما مكبّلا بقيد لغتك وعاداتك

أتمنى أخي القارئ أنك بدأت تشعر بالضبط بما أود تركيز حديثي عليه … ذاتك الفطرية القابعة خلف كل قناعاتك اللغوية والاعتقادية والفكرية والمجتمعية .. إلخ
لاحظ أن لفظة ” قناعاتك ” بفتح القاف ما هي إلا تحوير لحركة القاف من الكسر إلى الفتح
لنأخذ واحدا منها – لا على التعيين – على اعتبار أنه يمثل البقية مجتمعة
في الحالة الحسية العادية – ولنفترض أنك في حفلة تنكرية – تعتقد أنّك حجبت الآخرين عنك من خلال قناعك

فلنحلل هذا الموقف قليلا

الكل يعلم – بما فيهم أنت – أن القناع زائف .. ولهذا لن يبالي أحدهم إن كنت تتصرف  – مثلا – ببلادة أو جبن حين تضع قناع ثعلب أو أسد … أو كنت تتصرف بدهاء أو شجاعة حين تضع قناع حمار أو نعامة
وربما من هنا كانت الحفلة التنكرية ترفيها للنفس البشرية إذ هي متنفس لعفوية الإنسان المقموعة سائر اليوم أو الأسبوع لارتدائها أقنعة مرهقة أثناء تــنـّـكرها عند لقاء الإنسان لأهله أو أصحابه أو زملاء عمله أو مسؤوليه أو أقاربه أو جيرانه .. إلخ .. في يوميّاته ذات طابع الحفل التنكري الحقيقي

بيد أن هذه الأقنعة المرهقة … ليست زائفة …. أو على الأقل لا يظنها الآخرون زائفة

من هنا تنبثق شرور الشياطين

فبتحليلنا لهذا الموقف نرى أن الأقنعة غير مرئية للجميع …- بما فيهم أنت أيضا – لأن الناظر إليك يظن أنه يرى ذاتك وأنه يتعامل مباشرة مع ذاتك ، في حين إنه لا يتعامل سوى مع قناعك … وحيث إنّك تتكلّف تقمّص الدور الذي يوحي به القناع فإنك لا تتصرف بعفوية مما يجهدك ويستنزف روحك، كما أن المتعامل معك لا يتعامل معك بما يريحك لأنه يتصرف عفويا بما يـُـمليه عليه قناعـُك من طريقة تعامل قد لا تتكافأ مع تكلفك الذي تصنّعته حتى توازي به الدور الحقيقي الذي يوحي به قناعك

ومع استمرار هذه الحالة ستختلط عليك ذاتك الحقيقية مع قناعك فلن تعود قادرا على التفريق بينهما، وهكذا يكون قناعك ليس ساترا للآخرين عنك فحسب … بل ساترا لذاتك عن ذاتك أيضا … فلم تعد أنت أيضا تراه

ولهذا ربما استخدم القرآن عبارة حجابا مستورا – راجع كلام فضيلة الإمام الشعراوي – فضلا عن حجاب ساتر .. لأن الحجاب مهمته الستر فلا داعي إذن لذكر كونه ساترا

فلو كان المراد – والله أعلم – من ذكر الحجاب هو الستر الحاصل بسببه … لما كان هناك من داع لذكر الستر بعده

أي كان كاف أن يـُـذكر الحجاب وحده أو الساتر وحده

فلا داع مثلا لقولنا حجابا حـــاجبا أو لقولنا ستارا ساترا

ولهذا جاءت اللفظة الثانية على وزن مفعول – مستور

إذن الحجاب نفسه مستور غير مرئي، وهنا انتكست الحكمة من الحجاب أو القناع

فعوضا عن أن تحجب الآخرين عنك بالحجاب … فقد حجبت ذاتك عنك بالحجاب لكون الحجاب مستورا عنك

فلم تعد تميّز هل ما تفعله يبرز للخارج أم لا يبرز لكونه محجوبا. إذ إنك لم تعد تستطيع أن تزيح القناع كلما أردت أن تظهر على حقيقتك … فالقناع نفسه غير مرئي لك حتى تعلم أنّك مرّرت من خلاله أو مررت من ورائه

وخطورة هذا الأمر – الشيطانية كما أسلفت – هي أنك تفقد ذاتيتك شيئا فشيئا بانصهارها وانمزاجها انخلاطا وانمزاجا تاما بقناعك بحيث لا تعود تميّز قناعك عن ذاتك … وهكذا لو كانت لك عدة أقنعة قد تجانست مع ذاتك فإنك حين تخلعها عنك أو تبادل فيما بينها فإنك بالأساس تنزع شيئا من روحك … شيئا من معدن جوهرك ولبك ويحل مكانه شيء من معدن جوهر الشيطان بحيث لا تشعر أنه حل فيه إذ إنه لم يشغل حيّزا إضافيّا بل شغل ما نقص أثناء نزعك للقناع بحيث تشعر أنك لم تخلع سوى القناع لأنه لم ينقص شيء

وهكذا تستمر في ارتداء وخلع الأقنعة ظنا منك أنك ممثل بارع تستحق أوسكارا وحقيقة الأمر أنك تقتبس النصوص اقتباسا من الشيطان فتستحق نارا تصهر جوهرك الشائب بالمعدن الشيطاني حتى يتوهّج مجددا ذهبك البراق فتعود للجنة

اللهم أعذنا من النار … وإن أدخلتنا إياها فلا تخلّدنا فيها … إلا إذا تغلغل المعدن الشيطاني إلى كل ذرة من ذرات ذواتنا فمهما بقينا في النار فلن نخلص بأدنى قدر من الذهب

فالحذر الحذر من فوات فرصة استرجاع ذواتنا الذهبية قدر الإمكان من براثن الشيطان

فلا يزال كلانا يقبض على فأسه في منجمه – أي الدنيا

هلا حرصنا على كامل الأربع والعشرين قيراطا؟

اللهم سهّل علينا ذلك

Advertisements

4 thoughts on “ماســِـْـك – بكسر السين أو بتسكينها

  1. يبدو لي انك قد اخذت قسطا كبيرا من الراحه في بيتكم بانتزاعك للقناع المفروض عليك حين تخرج مع اصحابك ويبدو لي ايضا ان هذا الشعور بالراحة هو سبب كتابتك لهذه التدوينه… فهل هذا معناه انه يجب على كل واحد منا ان يقمع في بيته ليخلع القناع عن وجهه!!!

    • المهم أن تخلع القناع سواء بالبقاء في البيت أو بعدمه
      لاحظ … أنه بإمكانك العكس مثلا … أن لا تعود إلى البيت فترة حتى تخلع أقنعتك
      لاحظ أيضا … أنك ربما تكون من الأساس إنسانا شفافا غير ذي أقنعة
      المهم أن تعرف ذلك ثم تحدد أنت طريقة العلاج
      شكرا على سؤالك الوجيه في ردك

رأيك؟ حبذا لو أدرجت اسمك أو عنوان بريدك الإلكتروني

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s