أيها المخدوم

قال سبحانه في حديث قدسي : يا دنيا من خَدَمَكِ فاستخدميه، ومن خَدَمَني فاخْدُميه

ومن هنا كان عِظَمُ وَبال الشِّرك
فما لَكَ أيها الإنسان ولِلدنيا؟ … دعها لِمولاها ومولاك
لا تُشْرِك الدنيا مع الله في العبادة، وبالتالي لا تنتظر من الدنيا جزاء. ولا تُشْرِك نَفْسَكَ مع الله في الإدراة، وبالتالي لا تَشْغَلْ بالَك بِـهـَـمٍّ سوى بِـهـَـمِّ الله
ومن هاهنا أدلف إلى مرادي … إنّه لَمِن أتعس الأمور أن يشرك الإنسان بربه، … تخيّل أخي القارئ أنك تعمل في مؤسسة مرموقة جدا … جدا

 ولأنها مرموقة جدا فإنها ذات مهام غاية في التعقيد والدقة، فمهما كنت ذا منصب عال فيها فإن المهام المنوطة بك تـُـعَـدُّ لا شيء في جانب مهامّها اللامتناهية تقريبا

وهكذا، فإن مهامّك نظرا إلى الموارد والصلاحيات الفارهة جدا لهذه المؤسسة المرموقة تكاد لا تذكر

فكل ما أنت مسؤول عنه أمام مؤسِّـس المؤسَّسة يكاد يكون منجزا وتاما بسبب هذه الرفاهية

فهذه المؤسسة مزودة بأحدث الوسائل التكنولوجية، كما أن مواردها متاحة لجميع عمّالها آنيا وبنفس الكفاءة مهما كثر المستخدمون ومهما كثر الاستخدام

وحتى تستحق المؤسسة بالفعل ما يشاع عنها من إنصاف وعدالة إضافة إلى مرموقيـّـتِها فإنها لا تظلم عمّالها أبدا

فهي تكافئ عمّالها بما يوازي بالضبط جهودهم مهما كثرت … بل ومهما دقّت وخفيت … فلا جهد مهدور البتة

بل إنها كلما أراد عامل من عمّالها أن يُنجز أكثر مما هو مطلوب منه، كافأته المؤسسة فورا دون انتظار لترقية أو مسمى وظيفي تصنف على أساسه هذه الزيادة الممنوحة له ميزانيا

نعم قد لا يستلم الزيادة أو حتى الراتب فورا ولكن كل شيء محسوب ومعتمد … فهذا هو الأمان الاستحقاقي

كما أن وظيفتك مضمونة لك وحدك لا غيرك حتى لو تقاعست فلا استعاضة عنك بغيرك … وهذا هو الأمان الوظيفي

بقي أن أقول لك أيها القارئ أنه ليس بالضرورة أن ترى مؤسس المؤسسة أو تقابله، بل ولا تستطيع ذلك

 ستقول لي أن هذا الأمر طبيعي لأن هكذا مسؤول أو مالك لهكذا مؤسسة بهذا النجاح وهذه الضخامة لا يملك هنيهة من الوقت ليضيعها للاستماع إلى شكواك أو مقترحاتك

ولكن لا تنس أخي القارئ أن نجاح المؤسسة من نجاح المؤسس، فكما أنه ناجح كل النجاح في تأسيس وإدارة المؤسسة فإنه كذلك ناجح جدا جدا في إدارة شؤون موظفيها

فمن نجاح المؤسسة … لن تجد عيبا واحدا حتى تقترح بسببه عليه شيئا غيره أو أفضل منه … مهما بدا لك أن الأمر خلاف ذلك وأن الأمر يتطلب تغييرا

من هنا انتفت الحاجة لمقابلة المالك لإسداء المشورة أو الاقتراح … هذا من ناحية نجاح المؤسسة

قال تعالى : الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين

أما من ناحية نجاح المؤسس أو المالك نفسه

فإنك قبل أن يخطر ببالك أن تشكو من تقصير أحد زملائك في العمل أو من أذيته لك فإن المالك يعلم بذلك ويشرع في نصرتك دون أن تستنصره على من آذاك

فالمالك بهذه المعيّة الدائمة لك ولغيرك – نظرا لكفاءته المطلقة – يوفر عليك عناء تخصيص يوم أو أكثر أو أقل لتجشّم عناء الوصول إلى مقره

فهو إذن معك أينما كنت فلا داعي البتة لمقابلتك إياه فهو معك، فأنت أصلا مقابل له لحظة بلحظة، ثم إنه كلما كان وصول الموظف إلى المالك أسهل كلما دل ذلك على نجاح المالك  ونجاح إدارته لشؤون موظفيه،  ..فلا أنجح إذن من أن يكون الموظف على الدوام متصلا اتصالا كليا مع المالك حتى لو كان الموظف نفسه مشيحا بوجهه عن المالك فإن المالك لا يزدريه بل يبقى متصلا به

يا لها من وظيفة عجيبة ومن مؤسسة أعجب ومن مالك أشد عجبا وإثارة … سبحانه وتعالى ما أجدره وما أنجحه

 والآن … هب أنك ساورتك نفسك لوهلة أن تفكر في إدارة أمر ما من أمور هذه المؤسسة – خارج إطار ما أنت منوط بحمله أو بالانسئال عنه

أنت بهذا تحاول أن تـُـشْرِك نفسك مع المالك في هذا الأمر … إذن فلننظر – أخي القارئ – إلى تبعات هذا التفكير

 أولا … لقد أجهدت بالك وفكرك … فقد كان فكرك بالكاد يخطط أو يدبر أو يقلق إذ كل شيء على ما يرام ومدار على التمام فلا يبقى إلا الشروع في العمل دون التفكير فيه

ثانيا … لقد شغلت بالك في ما لا مجال فيه أصلا أن يقبل مزيد انشغال بال من أحد، مهما بدا لك غير ذلك، وعليه … فإنك كأنك تدفع حائطا بغرض تحريكه فلا يتحرك بل تتعب أنت وتتحرك أنت، فإن لم تتحرك ذهب جهد دفعك إلى الإضرار بك، أي إنك في أحسن الظروف لن تغير الأمر بل ستغيّر نفسك، وهذا من شأنه أن يدخلك في دوامة لتغيير كل ما حولك لينسجم مع تغيّرك الطارئ

ثالثا … هب أن ما أردت أن تفكر فيه يحتاج بالفعل إلى تغيير طفيف، فإنه مهما كان هذا التغيير طفيفا فإنه سيلزمك تغيير ما لا قـِـبـَـلَ لك بتغييره حتى ينسجم كل شيء مع هذا التغيير بل وحتى ينسجم كذلك مع بقائك على حالك دون تغيّر، وإلا فلا جدوى من التغيير إن كان سيضر بك ويغيرك أنت أيضا … لأن التغيير منشود لإبدال حالة شيء إلى حالة تتناسب مع حالتك أنت، فإن تغيرت حالتك فما جدوى الحالة الجديدة للشيء الذي قمت بتغييره؟ … فأنت ما أردتها إلا لحالتك التي كنت عليها قبل أن تتغير، فإن قلت لي أنك ستشرع مجددا في تغيير نفسك أو تغيير حالة الشيء حتى يتوافق معك فأنت تجري خلف سراب

رابعا … ما كان أجدر بك أن تصرف بالك إلى الاستفادة من موارد هذه المؤسسة على ما هي عليه دون أن تغير شيئا من طرق سيرورة أعمالها وتدابيرها

فتزيد من مكانتك لدى المالك وتعظم مكافأتك عند التقاعد

خامسا … هب أن مالك المؤسسة اختار أن ينهي المؤسسة ويكافئ ويقاعد كل من كان عاملا فيها وأن يضرم بعد ذلك النار في المؤسسة وكل ما فيها من أبنية وأصول  وفروع ومقار

فإن كنت لا تزال لحظتها تفكر في أمر ما من أمور المؤسسة … فمعناها أن جزءا منك لا يزال عالقا بالمؤسسة

فكونك تـُـحْـدِث فيها شيئا ولو فكرا فكأنك أداة من أدواتها – أو للدقة – فكأن جزءا منك بات منها لا منك

فلا جـَرَمَ سيحترق هذا الجزء مع ما سيحترق من حطام المؤسسة

قال تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، وقال أيضا – سبحانه – فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة

وهنا يـُـقْـلِـعُ سؤال نفّاث

طالما أن هذا الجزء الذي بات منها هو محترق محترق لا محالة … فهل ستشب النار في باقي أجزائك نظرا لاتصال ذاك الجزء بك؟

أي حضيض هذا الذي هبطت إليه بمجرد تفكيرك في مشاركة ذاتك مع الله؟

ثم أي حضيض أهبط من سابقه لو أشركت شيئا غير نفسك مع الله؟

إنه كما أنّ النداوة تمنع النار من الانتشار في العود، فبقدر ما كانت أجزاؤك ندية بـ … الإيمان – بـ .. خالص التوحيد والإفراد والتفويض لله – بقدر ما سلمت أجزاؤك من الاحتراق المتوقع بسبب اتصالها بالجزء المشرك

فالبلل عادة ما يعيق اللهب عن الاستمرار في الانتشار في باقي العود وحتى وإن احترق طرف منه

فاحرص أخي القارئ على بقاء عودك كله نديا طريا، وهكذا فلن تـُـمْـسـِـك النار فيه

وبقدر ما تقل نداوة عودك، بقدر ما تستهوي عين الله لاتخاذك حطبا. وحيث إن النداوة أبدا متعرضة للهواء وبالتالي للجفاف، فلا تأمن لمستوى نداوتها مهما غـَـضَّ العود وتـَـطرّى، بل احرص دوما على نقعه في ينابيع الذكر والفكر المنوط بك

قال تعالى : والعصر إن الإنسان لفي خسر … كأنه والله أعلم إشارة منه تعالى إلى دوام تناقص ندواة العود وإلى يبوسته

ولكن النداوة لا جدوى منها إن كان العود مغموسا في اللهب

وهنا يكمن الفرق بين التوحيد المضاد للشرك كما يظهر الإيمان المعاضد للإسلام

فبقدر ما أنت مسلم بمعنى التوحيد ضد الإشراك، بقدر ما أنت مزحزح عن اعتبارك جزءا من المؤسسة

وهكذا فأنت غير منظور إليك على أنك مما يجب حرقه

ولكن هذا لا يكفي، إذ إنه بقدر ما أنت مسلم لا مؤمن بقدر ما أنت جاف غير ندي مما يعني أنك مُـغْرٍ لاتخاذك حطبا لإشباب اللهب الحاصل أصلا بالأجزاء المنتمية للمؤسسة سابقا

هب أنك مؤمن ندي طري يتطوع عودك كيفما طوّعته – بأخلاقك ونورانيتك – بيد أنك غير مسلم بمعنى أنك غير موحد أي مشرك بالله

هنا أنت واقع لا محالة في الفرن لأنك جزء خالص لا يتجزأ من المؤسسة بإشراكك نفسك في إدارتها ما أدى إلى صيرورتك جزءا منها

إلا أن نداوتك ستكون بردا وسلاما مؤقتا عليك في النار … مما يعني وصول حرارة إليك أقل من ما يصل إلى من عوده أجف من عودك

فإذن الإسلام وحده خطير مهما لم تردفه بالإيمانيّات فهو جاف مغر بالاتخاذ حطبا كاستئناف، لا وقودا كابتداء

 والإيمانيّات وحدها دون إسلام لن تغني عن أن يتم إعفاؤها عن ولوجها إلى اللهب طالما أنها خالية عن الإسلام بمعنى خلوّها عن التوحيد أي إشركاها المفضي إلى اعتبارها جزءا من الحطام المـُـنـْـبَـغي حرقه

إذن … هلا كنت أخي القارئ ما استطعت هانئا مطاعا مخدوما في وظيفتك الهيّنة السهلة؟

تصبح وتمسي في سلام … مـُـفـَـوِّضا كل شؤونك إلى من لا يشغله شأن عن شأن

منتظرا ليوم تقاعدك والاستمتاع بعيشك الرغيد كمكافأة

كن مخدوما حتى النهاية … بل إلى ما لا نهاية

آمين

Advertisements

9 thoughts on “أيها المخدوم

  1. ماأجمل عقيدة الحنيفية عقيدة الخليل

    عقيدة الاستسلام والتسليم لله

    ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله واتبع ملة إبراهيم حنيفا
    ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين
    لا أعلم مدى صحة الحديث القدسي ولكن المعنى جميييل

    امممم … برأيي كان الأفضل أن تسمي المقال أيها المستخدم بفتح الدال مع إضافة علامة تعجب لكي لا يكون حكما مسبقا على القارئ …..أما العنوان الحالي فهو تسليم بأن القارئ في غنى عن قراءة المقال
    ولكن لي عودة بإذن الله
    دمتم في رعايته وحفظه
    واتمنى لك مزيدا من المداد الذهبي الزاخر بالأفكار والقيم والمعاني النبيلة

  2. في كل تدوينه كما سابقاتها تبهرني بكم الافكار ، والثقافه العميقه و الراقيه ،التي تنم عن ثقافة و سعة اضطلاع كاتبها ٫ الا انها في نفس الوقت ترهقني كقارئ بسيط يحاول التركيز على المضمون الذي ما يلبث ان يكتشف انه مترامي الاطراف و مختلف عما شرع في قراءته ٫ بل و يحتاج الى مدونه منفصله ٫ كما ارجو توثيق الاحاديث للاطمئنان من صحتها ، انتظر بفارغ الصبر ما سيتحفنا به الكاتب من مدونات قادمه مع التركيز اكثر على موضوع محدد، كما بدأنا مع العنوان نصل الى الخاتمه مع ما يرتبط به و يوثقه محافظا بذلك على تركيز القارئ حاصدا الفوائد المرجوه مما سبق قرائته .
    و وفقك الله

    • ما أنا بأقل انبهارا منك، فما أعذب وأبلغ تعليقك، بل وما أذوق لفتك انتباهي إلى الأخطاء

      دعني أصارحك، … شعرت بالغيرة الكتابية منك وأنا أقرأ تعليقك

  3. يالها من مدونة جميلة .. تحمل بين طياتها الكثير من المعاني الإيمانية التي كم نحن بحاجة إلى تذكرها لتستقيم علاقتنا بخالقنا وخالق كل شي …فكلنا يعلم بأن الدنيا تسحب وتستخدم كل من طلبها ولكن بتسليمنا لكل أمور حياتنا لبارئنا المسير لكل أمور الكون هي كفيلة بنجاتنا بإذن الله

    شكرا أخي الكاتب على مساهماتك الراقية وعلى أسلوبك المميز والممتعة والشيق في إسقاطاتك لواقع حياتينا في قالب إيماني يزيد من ارتباطنا بهذا الدين وبالنعمة الكبيرة التي أنعم الله بها علينا أن جعلنا مسلمين

    شكرا مرة أخرى .. ولا تبخل علينا بالمزيد

    • أشكرك أخي بو عبد الله على إطرائك الذي أرجو أن أكون بالفعل جديرا به
      كما أشكرك عموما على إتحافك إياي بهكذا تعليق من شأنه أن يشحذ همتي لمزيد من الكتابات
      وأخيرا … أرجو أن تكون نعم الله حاضرة دوما نصب أعيننا حتى نستديم شكره سبحانه

      • أدامك الله في خدمته و خدمة خدمته . . نزعة إيمانية رومانسية من قلب صاف و روح تتوق للحق . . . كلماتك جميلة فكأني عندما أقرؤها أراها تنساب منك رائقة رقراقة . . . حروف رائعة و روح أروع . دمت له خادما

      • إن لم يكن هناك دافع للتدوين إلا لحصد هكذا درر لكفى
        ما أجلى مرآة قريحتك النيّرة
        وما ألمع الأنوار المنعكسة عنها
        أشكر لك هذه الدفقة الحنانية المشجعة
        وما أحلى الخدمة في معسكر الملك الديّان

رأيك؟ حبذا لو أدرجت اسمك أو عنوان بريدك الإلكتروني

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s