غـَـشـْــــوَة

حمدا لله على اختياري هذه اللفظة الدارجة إماراتيا عوضا عن مقابلها الفصيح … الغشاء … أو الغشاوة

إذ إنني كنت أعتزم الحديث عن القلوب وما يحجبها من أغشية أو غشاوات فأتى البرقع – أو الغشوة – ليتقن القيام بدور المثال على القلب وما يتغشاه

فالوجه الذي تستره الغشوة طالما تصدّر عرش تمثيل الحواس الخمس مجتمعة إذ يقال … فيه العين والأذن والأنف واللسان والبشرة

فالقلب كذلك هو مجمع الحواس اللاحسيّة، فكما أن الجسد الذي يتكون منه الإنسان يتفاعل مع عالم المادّة من خلال هذه القنوات الحسية  مجتمعة في الوجه .. فإن الروح التي يتكون منها الإنسان أيضا  تتفاعل مع عالم المعاني من خلال هذه القنوات اللاحسيّة مجتمعة في القلب

لن نخوض الآن – أخي القارئ – في ماهيّة هذا القلب … هل هي المضغة اللحمية المتوضعة في القفص الصدري

أم هي اللب أو العقل أو الدماغ … أم هي الوعي الفكري

؟

وهل الروح التي تتخذ من هذا القلب وجها تقبل به على عالم المعاني – قياسا على الجسد الذي يتخذ من الوجه ما يقبل به على عالم المادة – هل هذه الروح هي سر الحياة التي تسري في الجسد وتجعل الحركة والنماء تدب في أوصاله؟

قيل إن هناك سرا بين الروح وبين سر الحياة في البدن يتعلقان ببعضهما تعلقا خفيا لطيفا من خلال القلب اللحمي الصنوبري، بيد أن هذا التعلق أو المفهوم ما هو إلا أحد المعاني التي تتعاطاها لفظة الروح بين معان أخر أحدها ما أنوي أن أتاجسر بالتطاول على الحديث عن أوائل مبادئه – تـَـفـَـضْـوُلا وتـَـطَـفّـُـلا

 عموما – أخي القارئ – تستطيع أن تكوّن تصوّرا أدق وأوضح لهذه الأمور بالرجوع إلى كتاب العلم من جملة كتب التصنيف الشهير .. إحياء علوم الدين

فلنعد الآن لما كنا بصدده … فكما أن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب

صلى الله وسلم على قائله أو قائل ما هو بمعناه – فهل نستطيع أن نقتبس من هذا الحديث

أنّ في الروح مضغة إذا صلحت، صلحت الروح كلها، وإذا فسدت، فسدت الروح كلها .. ألا وهي القلب أيضا؟

وعليه فإنه كما أنّ الإنسان عبارة عن روح وجسد معا في آن ولا يمكن التمييز أو الفصل بينهما بسهولة

 فكذلك القلب الجسدي والقلب الروحي لا يمكن التمييز أو الفصل بينهما بسهولة

ولكن

كان الإنسان قبل التقولب في الجسد روحا خالصة ثم تغشى بهذا الجسد بولوجه إلى عالم المادة، مستبقيا لروحه وقنواتها

تماما كما يلج الإنسان إلى ثقافة جديدة مستبقيا لهويته ولغته السابقة

وهنا يضطر إلى أن يتعلم لغة الثقافة الجديدة بما يؤمّن له الحد الأدنى من متطلبات التفاعل اللازمة لبقائه حيا وآمنا بين أفراد هذه الثقافة الجديدة

أعتقد أن الجنين يحصل له نفس الشيء … فهو يضطر إلى الاستعاضة بقنواته الحسية عن قنواته الروحية ليتفاعل مع عالم المادة الجديد الذي يلج إليه

إلا أن الإنسان سرعان ما يتغلغل في هذه الثقافة الجديدة من خلال طول بقائه فيها وإلفه لها حتى إنه قد تـَـتـَـفـَـلـَّـتُ عليه لغته السابقة وعاداته وتقاليده

وكذلك الجنين … فإنه سرعان ما تتطور حواسه الخمس ثم تتكامل عنده قاعدة بيانات تمتد من الطفولة حتى المراهقة وسن التكليف مما تنسيه وتكاد تشغله تماما عن قنواته الروحية السابقة

والآن … نهجم على صميم مغزى التدوينة

لو بقي هذا الإنسان معزولا تماما عن ثقافته السابقة .. ربما ينسى لغتها وينسى أهلها .. إلا أن الإنسان على الدوام يتذكر أهله فيتصل بهم أو يزورهم … ولولا هذا لحصلت بينه وبينهم

فجوة يصعب مع الوقت سدها … إذ لن يكون بمقدوره تذكر الأسماء والمناسبات وربط الأحداث الأخيرة بالأحداث السابقة، فلن يستطيع مثلا أن يدرك أن المناسبة الفلانية  أو الزفاف الفلاني ما هو إلا لابن أو لحفيد قريب أو جار له

والجنين كذلك … فلو لم يبق على اتصال بعالمه الروحي الأصيل بين فترة وأخرى … لانقطع تماما عنهم وانخرط كليا في عالم المادة

ولكن – ولله الحمد والمنّة – فإنه سبحانه لا زال يتواصل مع هذا الجنين الذي صار شخصا راشدا، بل وفرض عليه أن يتصل به خمس مرات يوميا حتى لا ينسى كيفية التواصل مع عالمه الروحي

وهذا ربما هو الحد الأدنى من الصلاة بل ومن الأركان الخمس … ثم من أراد الاستزادة فعليه أن يزيد التواصل مع هذا العالم الروحاني متمثلا في الرب سبحانه

فكلما استزاد المرء من النوافل … كلما تحسن استذكاره لقنواته الأصيلة حتى لكأنه لم يفارق عالم الروح أصلا

ألم يقل المولى سبحانه وتعالى … وذكّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين

فكأن درجاتنا في الآخرة على حسب قوة تذكرنا

فمن شغل وقته بتمرين ذاكرته وتحسينها بالنوافل بعد الفروض … عاد إلى عالم الروح كما غادرها فتواصل مع شعبها – الله وملائكته – كأحسن ما كان فنال أعلى الدرجات

لأن قنواته ولغته الروحية لم تفتر ولم تضعف حين قدم إلى عالم الدنيا لـِـتـَـعـَـهـُّـدِه بحفظها وتمرينها باستمرار – فيكون حاله كحال من غادر بلده لطلب العلم مثلا في الخارج إلا أنه كان على الدوام متواصلا أولا بأول مع أهل بلده وحريصا على معرفة كل التطورات والمناسبات والأحداث فيعود إليهم ويتفاعل معهم بكامل الفعالية والجودة كأنه كان بينهم لم يغادرهم

أما الذين أهملوا ثقافتهم الروحية السابقة الأصيلة وانخرطوا كليا في ثقافة دنياهم المرحلية فإنهم بعودتهم للآخرة يعانون أيما معاناة لنسيانهم لغة التواصل مع أهل هذا البلد

فيكون حالهم كمن يذهب إلى بلد لا يعرف لغة أهلها ولا يتذكرهم ولا حتى هم يتذكرونه

قال تعالى … نسوا الله فأنساهم أنفسهم

والله أعلم

الخلاصة … اشحذ دوما ثقافتك الروحية … فإن لم تستطع استعادتها كلها، فلا أقل من أن تسترجع ما يمكنك معه أن تبقى حيا آمنا في الآخرة

أعاذنا الله وإياكم من شر يوم الفالح فيه من تذكّر ثقافته ولغته فاستطاع أن ينجو

 قال صلى الله عليه وسلم … من تعلم لغة قوم أمن شرهم

فإذن … عليكم إخواني بتعلّم لغة الآخرة …حتى تأمنوا شرها …. وتعلّمها هو المواظبة على تذكرها والتواصل مع أهلها

ويا فوز من أتقنها وتذكرها كلها

Advertisements

4 thoughts on “غـَـشـْــــوَة

  1. اعجبت جدا بهذا المقال خصوصا و اكثر عن غيره من كتاباتك لانه من ملخص الكلام انه يذكرنا بالاخره و ان الدنيا دار فانيه و يجب علينا دوما الاستعداد ليوم الحساب و حياة الاخره الا وهي الجنه . اعجبت ايضا بادراجك لبعض احاديث جدنا و حبيبنا المصطفى صل الله عليه و سلم لتذكيرنا . تحياتي لك وفي انتظار جديدك

    • عسى أن نكون بالفعل مشمرين للآخرة، ولكن هذا صعب ونحن متغشيون بالدنيا … من هنا كانت زيارة الصالحين والقبور خير وسيلة لإنعاش الذاكرة
      كما أن المرأة تحتاج من فترة إلى أخرى إلى إماطة برقعها لوهلة حتى تتمكن من الإبصار الواضح ولكن عليها أن تتغشى فورا بالبرقع
      فكذلك نحن البشر … علينا أن نميط حجاب أجسادنا الكثيفة بين فترة وأخرى ولكن في نفس الوقت علينا أن نعود إلى أجسادنا وإلا متنا من لحظتنا

  2. اعجبني تناولك لموضوع الغشوه والذي بدا لي من عنوان التدوينه انه سيتناول موضوعا عن الحجاب او نوع الغشوة في عصرنا الحالي فواصلت القراءة مستمتعا على امل ان تبدأ موضوع التدوين(الغشوة) ولكن للاسف تفاجأت بنهاية التدوينه واكتشف ان موضوع التدوينه هي الغشاء الذي الهى الناس عن ذكر الله عز و جل بنشغالهم بدنيا واهيه..واختم بهذا الدعاء
    اللهم لا تجعل الدنيا اكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا الى النار مصيرنا واجعل الجنة هي دارنا ..اللهم انا نعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك ومن فجائة نقمتك ومن جميع سخطك يا رب العالمين والحمدلله رب العالمين
    وصلى الله على سيدنا محمد واله وصحبه اجمعين

    • كم هو جميل منك أخي خالد تذكيرك لنا بهذا الدعاء الجامع من لسان خير البشر صلى الله عليه وسلم
      سبحان من أنطق رسوله بما يجمع ما تفرق في كلمات الكاتبين والقائلين
      كم هو مثلج للصدر دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم

رأيك؟ حبذا لو أدرجت اسمك أو عنوان بريدك الإلكتروني

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s