ألف ميم لام

سـَـئـِـمـْـتُ تــَـكـاليفَ الحياة وَمـَـن يـَـعـِـشْ       ثلاثين حـَـوْلا لا أَبَ لـَـكَ يـَـسـْـأَمِ

بيت من معلّقة لجاهلي مخضرم بتصرّف

 قيل إن سيدنا عيسى عليه السلام مـَـرَّ برجل يحرث أو ما شابه … فدعا ربه قائلا … اللهم ارفع عنه الأمل – بظني دون أن يشعر الرجل بدعائه

فما كان من الرجل إلا أن تخلى عن أداته التي كان يحرث بها واضطجع

فدعا عيسى ربه قائلا … اللهم أعد عليه الأمل

فإذا بالرجل تعاوده الهمة فينهض ويمسك بمسحاته أو الأداة التي كان يستخدمها ليعود لما كان عليه من حراثة

يـُـؤسـِـفـُـني أني لا أتذكر تماما الحوار الذي جرى بين روح الله وبين ذاك الرجل بعد ما عاد لعمله بيد أن فحواه الآتي

روح الله يسأل الرجل : لم تركت أداتك واضطجعت؟

الرجل يجيب : وما الفائدة … ففي النهاية إننا مـَـيـّـِـتون فاضطجعت انتظارا للموت

روح الله يسأل مجددا : ولم إذن نهضت؟ الرجل يجيب : “وهنا لا أتذكر بالضبط الجواب إنما أظن أنه أفاد بما معناه أنه” خطرت له دواع من شأنها أن تلزمه بالعمل فيما ينتظر الموت

الشاهد أن الأمل هو الذي يعطي للحياة معناها ويـُـجـَـلِّي الحكمة منها

ولهذا فإن طول الأمل منبوذ لمن يسعى للآخرة

فهو – أي الأمل – يـُـبـْـقيهِ حريصا على الدنيا لاهيا بصرف أوقاته وجهوده لتحقيق ما يـُـؤَمـِّـل منها

وهكذا تمضي لحظات عمره في مفاضلة … أو مقارنة … فيم يصرف اللحظة … ؟ لدنيا أم لآخرة؟

وغالبا حتى تفكيره يكون منشغلا بدنيا لأنه باستمرار يـُـؤَمـِّـل تحقيق شيء .. وهذا الشيء – أيا كان – يحتاج إلى تدبير وتخطيط حتى يتم إنجازه

أو يكون تفكيره منشغلا بأمر لم يتم على الوجه المطلوب فينشغل فكره هما بما انتهى ولم تعد هناك فائدة في الانغمام به

ولهذا يقال إنه من الجميل أن تجعل مبلغ همك هو نهاية اليوم بحيث لا تفكر فيما بعده إلا حين تصبح فتفكر في ما أصبحت فيه من يوم جديد.. وهكذا دواليك

 وهذا يتوافق – بظني – مع المقولة الشائعة التي مفادها … فلان يومه عيده أو عيده يومه

وهناك من يكون أمله أقصر من 24 ساعة … بل حتى أقل من ساعة واحدة

قيل إن النبي – صلى الله عليه وسلم … – أراد يوما الوضوء فتيمم رغم أن الماء كان قريبا منه

فقيل له ألا نقرب لك الماء أو لماذا لم تتوضأ بالماء … فأجاب … لعلي لا أبلغه … أي قد يعاجله الموت قبل وصوله إلى الماء فاستعاض عنه بالتراب الأقرب

طبعا لا يحق لي أن أسرد الحديث دون التأكد وخاصة إذا كان ظاهره يفيد خلاف قاعدة فقهية معروفة وهي إذا حضر الماء بطل التيمم

ولكن إن لم أكن مخطئا … فقد أراق النبي ماء – بمعنى أنه انتقض وضوؤه – قبل أن يتيمم

ولأن النبي – صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يبقى على طهارة فأظنه لهذا السبب تعجل الطهارة بالتيمم حتى يقلل الوقت الذي لم يكن به على طهارة

 ثم بعد ذلك إن عاجله الموت … فهو على طهارة … وإن لم يعاجله الموت … فسيمضي إلى الماء ليتوضأ إن كان بالفعل ينوي إقامة شعيرة أو نسك تستلزم الطهارة أو حتى ربما لم يكن ينوي ولكنه سيتوضأ لأن التيمم غير محسوب لوجود الماء إلا فقط للضرورة … والضرورة هنا قصر الوقت واحتمال مفاجأة الموت قبل الوصول إلى الماء

والله أعلم

نستفيد من هذا الحديث مدى قصر الأمل عند رسول الله – صلى الله عليه وسلم

فمن كان حاله هكذا … جاز أن نقول فيه … فلان لحظته عيده …أو عيده لحظته

بل إنه أحيانا – صلى الله عليه وسلم – يمضغ اللقمة ولا يظن أنه يسيغها ترقّبا للموت

من هنا … أظن أنه من الطبيعي لمن يقصر أمله إلى هذا الحد أن يمل الحياة … أن يسأم

أستطيع تشبيه حال الشخص ذي الأمل القصير بشخص هبطت به الطائرة في مطار سابق للمطار الذي ينوي السفر إلى البلاد التي يقع بها هذا المطار الأخير

ولكنه – لسبب أو لآخر –  لم يتم إعلامه بموعد الطائرة التي ستأخذه مجددا من هذا المطار المرحلي إلى ذاك المطار الأخير … كل ما هنالك هو أنه عليه أن ينتظر وأن يكون متأهبا للتوجه إلى

البوابة التي ستأخذه إلى الطائرة حين يحين موعد إقلاعها للطيران إلى المطار الأخير

لك الآن أخي القارئ أن تتخيل حال ذاك الشخص في ذلك المطار المرحلي … قطعا سيكون شبه منفجر من السآمة والملل

وبخاصة أنه فوجئ بهذا التوقف المرحلي  .. كما أنه لا يثير اهتمامه أي شيء في البلد التي بها هذا المطار المرحلي … ولا حتى في المطار نفسه

أصلا من الأساس هو لم يكن بباله أن رحلته ستحط بهذا المطار أو هذا البلد – على فرض أن شركة الطيران – حين ابتاع التذكرة –  لم تبلغه مسبقا بذلك لأي سبب كان

إنه على الأرجح لن يقوم بأي شيء قد يشغله عن أن يتوجه بسرعة إلى البوابة في حال تم الإعلان عن موعد الرحلة

بالكاد سيأكل عند الجوع ولن يتهنّى … لأنه قلق مترقب لموعد الرحلة باستمرار .. فهو يخاف أن يلهيه مطعم المطار وجلوسه فيه وتنوع وجباته المعروضة عن أن يدرك البوابة ساعة الإعلان

كما أنه لن يتلذذ بالطعام بل من الأساس لن يأكل كثيرا حتى لا تـُـحـْـوِجـَهُ فضلات الطعام أن يتأخر في دورة المياه تـَـخـَـلـّـُصا منها وحتى لا يشغل هضمها وامتصاصها في جسمه كثيرا من الدم الذي لو نقص عن مستواه المفروض أن يكون عليه في المخ عوضا عن المعدة لـَـشـَعـَـر بالنعاس ولأخذته عينه فيغفل عن التوجه إلى البوابة

ربما في أحسن حالاته … سيبحث عن كتيّب عن البلد الذي ينوي التوجه إليه ويشرع في القراءة عنه قتلا للملل وإثراءا لمعلوماته عن البلد حتى يستفيد أقصى استفادة فور وصوله فلا يحتاج أن يسأل كثيرا عن المواصلات وأماكن الفنادق … وما إلى ذلك

قد يتشاغل عن الملل بتجاذب أطراف الحديث مع من هو أعلم بالبلد منه … فقد يكون هناك من المسافرين من هم أكثر دراية بتلك البلد

المهم أنه لن يكون أصلا في مزاج يسمح له مثلا بأن يدخل إلى السوق الحرة … أو أن يغازل إحدى الموظفات في المطار أو … أو … إلخ

أعلم أني بالغت في توظيف المثال أعلاه لتصوير حال من كان أمله قصيرا جدا كحال الأنبياء

 ولكن … ألسنا بالفعل وجدنا أنفسنا في مطار مرحلي وننتظر الوفاة التي سـَـتـُـقـِـلُنا إلى المطار الأخير؟

إذن من الطبيعي لمن هو مدرك هذا التصوّر أن يكون ملولا وخائفا … لا يشغل وقته بالترّهات ..وإنما يتذاكر أمر الآخرة مع من هو أعلم منه

واضعا نصب عينه أن الموت قد يفجؤه بأية لحظة … فيحرص قدر المستطاع على أن لا يكون في أية لحظة بحالة تفوّت عليه الوفاة الأولى فيضطر إلى الوفاة الثانية

بمعنى أن يفوته حسن الخاتمة فيدرك سوء الخاتمة

ما أحرى بنا وقد تجسّد هذا المعنى أمامنا … أن لا نضيّع أوقاتنا في مباريات وترهات وحواطة في مولات بلا هدف إلا مغازلة روّادها

أرجو أن أكون قد وُفِّقت بالفعل لأنقل لك أخي القارئ شعوري حيال الأمل والملل والعمل والآخرة

بدون أن تشعر بالملل وأنت تقرأ

Advertisements

12 thoughts on “ألف ميم لام

    • وأنا أيضا أرجو لك كل سعادة وهناء دنيا وآخرة
      وعلى فكرة … فروحك الظريفة المرحة سرت حتى على عنوان بريدك الإلكتروني
      أون – أوف
      6
      إنك بالفعل فلنستون هذا الزمان
      كم أحبك في الله

  1. كان عنوان تدوينتك مفعم بالامل والتفائل مما حفزني على قراءتها ولكن مع اول كلمه قراءتها(سئمت) حسيت بقلت همه وتشاؤم في نفس الكاتب وخاصة تغليظ كلمة (ثلاثون) كأن الكاتب وصل سن اليأس..ما هذا التناقض ..وعند سردك للقصص الانبياء, ارجو التأكد قراءة القصة وسردها بطريقة مرتبه, لا ان تروي نصف القصة و نصفها الاخر غير معروف وخاصة الاحاديث الشريفة, تاكد من صحة الحديث…

    يؤسفني ان اقول ان عنوان التدوينه لا يتناسب مع محتواها..فمعظم تفاصيها تبعث بالتشاؤم وقلة الامل كان يكون لك امل قريب ومحدود للعيش وانتظار الموت وهذا لا ينفي ان الموت موجود وقريب في كل لحظه ولكن يحثنا الاسلام دائما للعمل والامل في الوقت ذاته
    (من كان يرجوا لقاء الله فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه احدا)

    اخي الكاتب انصحك بقراءة موقع يروي عنوان تدوينتك ولا مع نفس المحتوى بعكس ما اسلفت في تدوينتك
    http://www.eld3wah.net/html/ashraf-alkhalq/33_al2amal-w-altfa2ol.htm

    اخي الكاتب ارجو ان تعتبر تعليقي محفزا لا مثبطا

    تحياتي لك

  2. كان عنوان تدوينتك مفعم بالامل والتفاؤل مما حفزني على قراءتها ولكن مع اول كلمه قرأتها(سئمت) أحسست بضعف الهمه والتشاؤم في نفس الكاتب وخاصة تغليظ كلمة (ثلاثون) وكأن الكاتب وصل سن اليأس..ما هذا التناقض الأمل و اليأس..وعند سردك لقصص الانبياء, ارجو التحقق و قراءة القصة وسردها بطريقة مرتبه, لا ان تروي نصف القصة و نصفها الاخر غير معروف وخاصة الاحاديث الشريفة, تحقق من صحة الحديث…
    و اذكر السند
    يؤسفني ان اقول ان عنوان التدوينه لا يتناسب مع محتواها..فمعظم تفاصيلها تبعث بالتشاؤم وقلة الامل كأن يكون لك امل قريب ومحدود للعيش وانتظار الموت وهذا لا ينفي ان الموت موجود وقريب في كل لحظه ولكن يحثنا الاسلام دائما على العمل مصحوبا بالامل في الوقت ذاته
    قال ربنا جل و على(من كان يرجوا لقاء ربع فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه احدا)

    اخي الكاتب انصحك بالاطلاع على الموقع ادناه فقد يساعدك على الربط بين عنوانك و محتواه
    http://www.eld3wah.net/html/ashraf-alkhalq/33_al2amal-w-altfa2ol.htm

    اخي الكاتب ارجو ان تعتبر تعليقي محفزا لا مثبطا

    تحياتي لك

    • للتصحيح:
      ثلاثين
      قال الله جل وعلى : فمن كان يرجو لقاء ربه

      • أحيي نقاد وقراء بهذه الخلفية المعرفية المتمكنة من استلال شعرة الأخطاء من عجين الخليط
        وأنا بالفعل كتبت هذه التدوينة تنفيسا عما يساورني من هموم فانصبغت الكتابة بنكهة تشاؤمية ملؤها اليأس
        بيد أني أشترك معك ومع الكاتب الذي اقترحت علي زيارة صفحته في أن الأمل دافع للعمل
        إلا أنني أردت توجيه العمل للآخرة، فحتى حديث الفسيلة مع قيام الساعة أظن أن المقصود به أن لا يفوّت المرء على نفسه فرصة الحصول على حسنة غرس الفسيلة ولا يتكاسل عن ذلك مقنعا نفسه بأن لا جدوى من غرسها
        هناك من يستغل وقود الأمل ليدفعه دفعا للانخراط في خضم الدنيا ومشاغلها … وهذا ما أردت التنويه عليه

  3. السلام عليكم
    ارجوا ان تنال ما تأمل به
    لست ناقدا ولكن لم تجذبني تكلمت القراءة لآنها افتقدت للمصداقية في الرواية
    وعلى فكرة سيد قوقل موجود حتى تكمل سرد اي قصة في موضوعك.
    وللأمانة طلعت من موضوعك ابحث في قوقل عن القصة المذكورة.

    • جميل أن أحظى بمتابعين غير مداهنين فيتداركوا ما زلت عنه قدمي
      يبدو أن القراء يتضايقون من تذبذب مصداقية الاستشهادات التي أستأنس بها خلال التدوينة
      طبعا هم محقون بيد أن الموضوع في النهاية ليس تأصيلا لقاعدة فقهية بحيث يتوجس القارئ من الأخذ به من عدمه لكون الاستشهاد غير دقيق
      سيدفعني هذا إلى عدم سرد الاستشهادات من الأساس …. حتى لا يتردد القارئ في الاطمئنان لما قد يراه مفيدا

  4. أخي الكاتب .. لقد أبدعت في اختيارك للعنوان وأحسنت في اختيار الموضوع .. فكم نحن بحاجة إلا محفزات الأمل فلولا الأمل لما كان للحياة طعم ولا لون ..
    ف على المستوى الإنساني ، الأمل ضروري لازدهار النفس واطمئنانها .
    واستقرارها ، فتكون المحصلة إبداع وتطوير ومجتمع أفضل
    وعلى المستوى الديني ، أيضا الأمل ضروري كي يبقى الإنسان متعلقا بخالقه ويأمل بعفوه ورحمته ونجاته ( فلا يقنط من رحمة الله ) وبذلك فإنه سيحرص على العمل الصالح والتقرب من الله ،، وهذا ما يسمى حسن الظن بالله..

    فكما أراك أحسنت في اختيار الموضوع ،، فإني أراك لم توفق بعض الشي في طرحك للموضوع حيث كانت هناك صبغة تشاؤمية تناقض العنوان الجميل .. وهذا ما أكده القراء الأعزاء في تعليقاتهم السابقة.

    ولكن لا بد من أن تبقي على الأمل على أن تكون تدويناتك ذا إيجابية ومساهمة في تحفيزنا على العمل نتيجة لإبقائنا على الأمل في الله وفي خير أمة محمد صلى الله عليه وسلم .. حيث مازلنا خير أمة أخرجت للناس.

    وشكرا لك أخي الكاتب على حرصك الدائم على منفعة الناس الذي يتضح لنا في كل مرة بتحليلك للمسببات التي تعيق الإنسان من تحصيل النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة .. وهذا إن دل فإنه يدل على سمو فكرك وعلى نقاوة صدرك وعلى حبك لاخوانكم المسلمين وغيرتك عليهم.

    متمنيا من الله عز وجل أن يسدد خطاك .. وأن يثبتك على ما ترنو إليه وأن يكتب لك التوفيق في مشروعك القيم هذا.

    • أخي بو عبد الله … بعد تعليقك الاستثنائي هذا … فإني أود أن أظل أكتب بهذا المستوى المتذبذب بين الصواب والخطأ استنفارا لهكذا تعليقات ملؤها الذوق والدماثة في لفت نظري لزلاتي
      بحق …. كم هو عجيب أن يكون خطأ أحدنا سببا لإشعاع روح آخر
      يقال … إن من فوائد الأخطاء التعلم والاحتياط لما يلي
      وها أنذا أضيف فائدة أخرى …. أن خطأ أحدنا يبرز صوابا خفيا لغيرنا .. ربما ما كان ليبرز لولا ذالك الخطأ
      اصطبغت تدوينتي بالتشاؤم … وها أنذا أصبغ ردي على تعليقك على التدوينة بالحب والامتنان … والإعجاب

  5. عزيزي . . أملك الروحي المتصاعد وروحك المتأملة متألمة من تلك اﻷرواح التي تتهاوى بها اﻵمال المادية فآثرت أن توجه لها لطمة علها تعود إلى مسارها الفطري السليم . دمت في أمل و محبة

    • لعلك أخي بو براهيم أنصف المعلّقين، فكل ما أردت إيصاله من خلال هذه التدوينة استبدال بعض الآمال الدنيوية بآمال أخروية فتتحول تبعا لها الأعمال

رأيك؟ حبذا لو أدرجت اسمك أو عنوان بريدك الإلكتروني

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s