جدّف

نفسك إن لم تشغلها بالحق، شغلتك بالباطل

المقولة أعلاه أجدها عزاء لأولئك الحيارى

وغالبا فنحن أولئك الحيارى

قال أحدهم للنبي صلى الله عليه وسلم – بما معنى الحديث – كثرت علي مناسك الدين  – كأنه يريد إخبار النبي بالحيرة – فرد عليه النبي قائلا … لا يزال لسانك رطبا بذكر الله

وهذا الصحابي جيد أنه احتار بين أمورٍ خير

فهناك من يحتار بين خليط من الأهواء الفاسدة والسليمة

وهذا لا يزال أهون ممن ليست من الأساس لديه قائمة بما يمكن فعله حتى يحتار فيختار من بينها

أعتقد أن الفاروق – رضي الله عنه – قال لا أحب الرجل الذي لا هو من أمر دينه ولا هو من أمر دنياه

ها هوذا  مفهوم – شرعي –  يتجسد توا أمامي وأمامك أيها القارئ … يتداوله الناس بلغتهم الدارجة على النحو الآتي

ولا يوقـِّـف … لا يوقـِّـف …لا يوقـِّـف

وأعتقد أن هذه العبارة شمولية إلى حد كبير جدا … جدا

لأن البشر صنفان

صنف منظم يعي أهدافه ويسعى جاهدا نحوها – وأعترف أني لست منهم ولهذا كتبت هذه التدوينة

وصنف همج يستقبلون لحظاتهم بما اتفق كيفما اتفق من الأحداث استقبال المنتظر المتلقي المستسلم

طبعا .. الصنف الأول لا يشكون من الحيرة … – دافعي لكتابة التدوينة – ولكنهم قد يشكون من الفتور

والفتور أمر مقبول بل مطلوب وإلا لهلك الإنسان أيا كان نوع ما يزاوله .. أو على الأقل لاستمر ولكن بمعدل عطاء متناقص مع الزمن

وهنا أستدرك بمثال الحطاب الذي يريد نشر جذوع الغابة خلال زمن ما فيستعظم أو يستكثر الدقائق المعدودة التي سيمضيها شحذا لمنشاره

وطبعا أترك لك أخي القارئ إسقاط المثال على العبارة الآنفة له

ولكن لأن هؤلاء من الأساس منظمون … فحتى فتورهم محسوب حسابه

فهم يستغلون فتورهم بالاستجمام الذي يعيد لهم الحيوية لمزاولة شؤونهم بنفس الحماسة والعطاء

إذن هذا الصنف … حتى فتورهم عطاء وإنتاج بالنسبة للصنف الثاني

صحيح أني أسلفت أنهم لا يشكون من الحيرة … ولكنهم يحتاجون .. أو على الأقل يستفيدون كثيرا ممن يشجعهم في كلي فترتيهم الفاترة والماطرة

هنا يأتي دور العبارة … لا يوقف

نأتي الآن للصنف الثاني – شريحتي المستهدفة من هذه التدوينة – … الهمج – وأعتذر منك أخي القارئ إن كنتَ أنت منهم لاستخدامي ألفاظ صريحة ولكن صحيحة للتحدث عنكم وعـنـّي طبعا

قيل … إن الشيطان يـُـمـَـنـّـِـي الإنسان بما ليس لديه ويـُـبـَـخـِّـلـُـهُ بما عنده

أسقط هذا القول على الصنف الثاني كالآتي

الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى

فكما أن المعافى لا يشعر بعافيته إلا حين يمرض  … فكذلك نحن الحيارى لا نشعر بالفراغ إلا حين ننشغل

والسبب هو أن المعافى مريض حال عافيته وحال مرضه، والفارغ مشغول حال فراغه وحال انشغاله

كيف؟

المريض هو من لا يعمل عضو من أعضاء بدنه لخلل ما يصحبه عادة ألم

لاحظ أنها نفس أعراض أصحاء الصنف الثاني … الحيارى

فرغم كونه سليم الأعضاء إلا أنه لا يستخدمها لحيرته والتهائه عن نعم مولاه كما أنه متألم بالحيرة القاتلة  … فحين يمرض حقا فإن ألمه ليس ألم المرض بل ألم الحسرة على ألم الحيرة الوهمي

لأنه لو كان لا يزال حيرانا حتى وهو مريض حقا فما الذي سـَـيـُـشـْـعـِـرُه بألم العضو وهو لا يستخدمه لتعطيله بسبب الحيرة؟

فالذي يحصل حقيقة هو أن الحيران حين يمرض حقا فإنه يذكر ما عطله عن الاستخدام وهو حيران، فيحاول أن يستخدمه فيعيقه الألم فيتحسّر على أنه كان قادرا على الاستفادة من هذا العضو دون ألم … فيضيف إلى الألم الحسي الألم المعنوي

أعلم أخي القارئ أني أسهبت قليلا وانحرفت بعض الشيء عن المسار العام للتدوينة ولكن استهواني على قارعة الطريق ملحظان شرعيان

الأول أن المريض الصابر يؤجر على مرضه … وأجد هذا الاعتبار مستساغا جدا من منظور ما قدّمت

لأن المريض إن كان من أهل الصنف الأول فإن المرض بالنسبة إليه ألم حسي فقط لأنه لم يكن مهملا لعضوه المصاب حتى يتحسّر كألم معنوي على عدم انتفاعه به

فيكون المرض بالنسبة إليه إجازة … بل وإجازة غير محسوب لها وبالتالي أتوقع أنها ألذ مما لو كانت محسوبا لها

بل إنه حتى لن يشعر بالألم الحسي لأنه بالأساس لن يستخدمه … فهو يعتبر نفسه الآن مجازا

  من هنا … ستكون نفسه سعيدة أيما سعادة بهذه الإجازة الربانية … ونظرا لهذا الرضى الذي قوبل به المرض فإن الحسنات بالانتظار

كما أنه سيعاود مزاولة مهامه بعد المعافاة بحيوية أو سينتظر الوفاة وقد أنجز ما عليه أثناء عافيته بدون حسرة بل بشعور بأن التقاعد والمكافأة آتيان

  وإن كان المريض الصابر من أهل الصنف الثاني فإن المرض سيسبب له الحسرة والألم فضلا عن الألم الحسي، والألم نوع تكفير – أي أجر أو حسنات أو غفران

فإن أضاف إلى الألم والحسرة العزم على الجد واستثمار الصحة حال تعافيه، فقد كسب وقودا من شأنه أن يدفعه دفعا للإنتاج حال التعافي

فهو بين حالين إذن … إما استقبالا للوفاة بندم وحسرة وكفران ذنوب ,,, وهذا قطعا جيد لأن معناه حسن الخاتمة  إذ سيكون العبد حال مرضه نادما فمستغفرا فنادما فمستغفرا .. وهكذا

وإما استقبالا للمعافاة بعزم ونشاط وهمة لتعويض الفائت

هذا كان بالنسبة للملحظ الشرعي الأول … أما الثاني فهو حديث اغنم خمسا قبل خمس المشهور … وبالأخص صحتك قبل سقمك وفراغك قبل شغلك

صلى الله على نبيه وجزاه عنا ما هو أهله … عموما … حتى لا أطيل فإننا نحن الحيارى نمضي أوقاتنا إما حسرة على ما لم نفعله أو عزما على ما لم يتهيأ تماما للتطبيق

وعليه … فإنني أرى أن نستعمل نفس العبارة … لا يوقف … وذلك بأن نفعل أي شيء إيجابي ولو لم يكن صائبا تماما

أصلا لا داعي لأن يكون صائبا تماما … لأننا في الأساس متقاعسون لحيرتنا بشأن ما الأصوب تطبيقه؟

وأخيرا … بقي سبب تسمية هذه التدوينة بـ جدّف

 وهي خلاصة نظرية عفوية ولكنها بنظري نووية لأحد أقاربي مفادها الآتي – بتصرّف

أن الحياة جدول وأنت في هذه الحياة كشخص فوق جذع طاف على هذا الجدول، ولهذا يسميها قريبي النظرية الجذعية

فكان يعزيني بها بين محنة وأخرى – أعاذنا الله وإياكم من المحن

فيقول لي .. بما معناه … استمر بالتجديف … حتى لو حرفت المحنة مسارك عن جادة الطريق فلا تيأس … استمتع بالمناظر حولك ريثما تعود لمسارك

إذن … لا يوقف … جدّف

Advertisements

11 thoughts on “جدّف

  1. يكفي أن الموضوع يحمل عنوان ساحر و مشوق ويدفع الشخص منا للمتابعة..تهت قليلا في وصفك للصنف الأول ولكن الصنف الثاني كان واضحا ورائع ..أسلوبك في ختام المدونة كان ممتعا جدا…وفقك الله

    • أشكر لك تعليقكي الراقي … كما أحب أن أنتهز فرصة توهانك خلال التدوينة لأؤكد لك انطباق حالتك على الشخص فوق الجذع … فبرغم انحراف مساره قليلا إلا أنه عاود التجديف كما فعلتي أنتي بمعاودتك لاستئناف القراءة حتى أتممتي التدوينة … ليتنا لا نيأس من أشياء بسيطة كما فعلتي أنتي … أحييكي

  2. … لا يوقـِّـف …لا يوقـِّـف

    استمر فالكتابه … استمتعت بالقراءه … صحيح اني جدفت كثيرا لكي اصل لاخر التدوينه …لكن نشاط الصباح كان عامل رئيسي لوصولي لاخر التدوينه

    جدف و لا يوقف … لا يوقف لا يوقف لا يوقف

    • فرحت كثيرا بتعليقك أخي علي… ليس فقط لأنه منعش للمعنويات بل لأنه صادر عن شخص حميم الصداقة، وليس هذا فحسب بل وشخص إعجابه وتقديره لك هما بمثابة شهادة جامعية في رصيد سيرتك الذاتية

      لا أحب إتعاب قرّائي … ولكن يا ليتهم بالفعل يستمرون بالتجديف تعليقا سواءا نقدا لإيجاب أو لسلب طالما أنه بناء

  3. ما اروع ان يكون نهاية كل طريق الامل و التفاؤل مهما بلغ من آخطاء و عثرات و هذا ما بعثته فيني كلماتك و مدونتك فعلى الرغم من ذكرك لصنفين من الناس على اختلاف مناهجهم الا آنك آملتهم بآن هناك نهايه سعيده مما يبعث التفاؤل و الايجابيه لكلا الصنفين ٫اشكرك على هذا الدعم الايجابي و اتمنى ان يتمكن اكبر قدر ممكن الناس من الاستفاده من هذه الدرر كآن نقرآها يوما في عامود في آحد الصحف اليوميه او الاسبوعيه فتصل الى الحائرين فترشدهم و آلى المجتهدين فتبعث فيهم الامل و العزم على انجاز المزيد بوركت آخي على هذه المدونه ، وننتظر منك دائما ما هو مميز و مثمر.

    • وأنت كذلك أخي خالد، فتعليقك مفعم بما يحفز الكاتب إلى الاستمرار بالكتابة
      جعلني الله وإياك ممن يرتقون من حسن إلى أحسن
      شكرا لك

  4. مش ممكن….صدق بس 3سطور الي قريتها من جدف
    عجبتني موت…أدب ناعم …نكمل القراءة
    في مشكلة لما أفتح المدونه تطلعلي التتدوينات من اﻷقدم للأجدد فأتم أسحب الصفحة عشان أوضل الجديد….وأعود للقراءة مع أحلى شاي!!!!

  5. وأنا …كانت المقاله فترة استجمام وشحذ للهم…
    أستمتعت كثييير بالمقال الهادئ

    ولا يوقف
    لا يوقف
    لا يقف

    ولا يوقف
    لا يوقف
    لا يقف

    ولا يوقف
    لا يوقف
    لا يقف

    ولا يوقف
    لا يوقف
    لا يقف

    ولا يوقف
    لا يوقف
    لا يقف

رأيك؟ حبذا لو أدرجت اسمك أو عنوان بريدك الإلكتروني

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s