الكثافة الفكرية

تخيل أخي القارئ أن تستيقظ يوما وقد ارتفع معدل ذكائك عن مستواه المعتاد

قد تقول لي إن الذكاء بالفعل يزداد مع الأيام لازدياد التجارب المكتسبة

أو ربما تبالغ قليلا فتقول لي إن ذكاءك بلغ الذروة فلا مجال للزيادة

ولكني لا أعتقد أنك مبالغ بتصريحك الأخير … لنأخذ الموضوع من وجهة نظر شرعية

ألم يقل المولى سبحانه : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ؟

إذن لو كان الذكاء تقويما حسنا وليس سيئا فهو عندك ليس حسنا فحسب بل هو كأحسن ما يكون

قد تقول لي قياسا على هذا الكلام إن الجمال تقويم حسن وعليه فإنك كأجمل ما يكون

فأقول لك … قد تكون بالفعل كأجمل ما يكون – مجاملة ولباقة معك أخي القارئ – ولكن هناك من هم ليسوا بذاك الجمال رغم تصريح المولى الآنف !! ؟

إن جهاز الحاسوب اللوحي أو المحمول الذي تقرأ من خلاله هذه التدوينة لا ولم يهمك يوما مظهره: لونه، ملمسه، … إلخ

أو على الأقل لن يؤثر مظهره على تفاعلك مع هذه التدوينة … هذا في حال كان للمظهر اعتبار عندك على أساس أنك تقرأ التدوينة من خلال هاتفك الذكي الذي يعكس مظهره مكانتك الاجتماعية

فكذلك جمالك الظاهري أخي القارئ … فقراءتك لتعليمات إلهك وتنفيذها لا يتوقفان على شكل أنفك – مثلا – إن كان حادا كالسيف أو أفطس طالما أنه يؤدي غرضه وهو التنفس

 وقراءة التعليمات الإلهية وتنفيذها يتوقفان على التنفس … إذن هل أنفك جميل ؟ أجل، إن الأنف – كغيره من أعضاء البدن – مصمم وفق أفضل ما يكون التصميم

فمكانه في وسط الوجه ليس عبثا ثم كونه ذا فتحتين ليس عبثا أيضا ثم الشعيرات الرقيقة التي تكتنفه من الداخل ليست هي الأخرى عبثا … ناهيك عن تفاصيله الأخرى التي تكاد لا تنحصر

أي إنه من حسن تقويم الأنف أنه منسجم تماما مع ما تتطلبه كعابد يحتاج إلى التنفس حتى يؤدي مهام عبادته

لفتة أخرى وردت للتو … نص الآية الآنفة استخدم حرف الجر “في” عوضا عن “بـ” فقال : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ولم يقل مثلا لقد خلقنا الإنسان بـأحسن تقويم، وذلك ربما للإشارة منه سبحانه إلى إحسانه كذلك لتقويم الظرف الذي خلق فيه الإنسان إضافة إلى بدنه، وأقصد بالظرف هنا المكان والزمان … أي العالم بأسره بكل أمكنته وبكل أنظمة زمنه، أي إن المولى قد أبدع له هذا العالم كأنسب ما يكون لكي يقوم الإنسان فيـه بالعبادة

مثال

لو أنك أنجبت ولدا وأردت منه أن يتعلم فإنك ستجعله يدرس في مدرسة، ولكنك لو أردت أن توفر له الفرصة لكي يصبح عالما فـذّا فإنك ستجعله يدرس في أحسن مدرسة، ثم تبقى مسؤولية الاهتمام بالدراسة على عاتق ولدك فإن شاء جد واجتهد وإن شاء أهمل. فكذلك المولى سبحانه كأنه يقول من خلال هذه الآية إنه وفر لك أيها الإنسان أفضل بدن وأفضل مكان ونظام زمان للعبادة التي من شأنها أن تدخلك أعلى الفراديس، ثم تبقى عليك أنت أيها الإنسان مهمة التشمير في العبادة أو التقاعس عنها، ألم يقل المولى بعد عبارة : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، عبارة : ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون؟ كأنك تقول لابنك: ها أنذا سجلتك في أحسن مدرسة ثم إنك من الراسبين أو الساقطين إلا إذا شمرت واجتهدت فتستحق التفوق والتكريم

إذن

فإن كانت العبادة القصوى التي بسببها تستحق أعلى الفراديس تستلزم ذكاء وقادا من شأنه أن يكشف لك ما أمكن كشفه من أساليب العبادة الراقية، فعليك إذن أن تتذاكى إلى الحد الأقصى حتى ترتقي بأساليب عبادتك لتنال أعلى درجات التفوق والتكريم في الآخرة، وإلا فما دمت لا تستخدم كامل ذكائك فإنك لا تتعبد بأفضل الأساليب وبالتالي قد لا تنال أعلى الدرجات في الآخرة

إذن كما أنك وفرت لابنك أفضل المدارس كي يكون عالما فقد وفر المولى لك أفضل ذكاء كي تتعبده أفضل ما تكون العبادة، ولكن كما أن على ابنك أن يجتهد في الدراسة فيحاول أن يدرس بأذكى الطرق حتى يتفوق فكذلك عليك أن تتعبد بأذكى الطرق حتى تتفوق. إذن فكما أن أساليب الدراسة الأذكى هي متاحة لك إن بحثت عنها حتى إذا ما طبقتها تفوقت، فكذلك أساليب العبادة الأذكى هي متاحة لك إن بحثت عنها حتى إذا ما طبقتها تفوقت أخرويا وربما أيضا دنيويا

وحيث إن العبادة مهمة عامة منوطة بالإنسان وليست كالدراسة التي هي مهمة خاصة منوطة بالطالب، فإذن الذكاء المتاح للعبادة هو الذكاء العام كما أن الذكاء المتاح للدراسة هو ذكاء خاص عبارة عن أساليب وفنون استيعابية

والآن … الذي أقصده من الذكاء العام هو القدرات البشرية الذكائية بشكل عام

وهذه القدرات متاحة للجميع بحيث إن الإنسان إذا جد في البحث عنها نالها واستفاد منها أيما استفادة …أخرويا ودنيويا

إذن هناك مجال لكل إنسان أن يكون كأذكى ما يمكن طالما أن كل إنسان خلق أصلا للعبادة التي أيضا يمكن أن تكون كأفضل ما يمكن استعانة بهذا الذكاء الأقصى لأن المراتب العليا في الآخرة هي متوفرة لمن سعى لها … وطالما أنه مفتوح للإنسان المجال لكي يسعى لتلك المراتب فإذن تلك القدرات هي متوفرة له وإلا فكيف سيسعى بدونها طالما أن السعي مجاله مفتوح؟

الزبدة

باعتقادي أن الله سبحانه بمنه وكرمه وفر للإنسان أقصى درجات الذكاء حتى لا يحرمه من الوصول إلى أعلى مراتب السعادة التي لا يتم الوصول إليها إلا بأرقى أنواع العبادة التي هي الأخرى بدورها لا تتحقق إلا باستغلال أقصى درجات الذكاء الكاشف للعلوم المعينة على العبادة القصوى الموصلة إلى السعادة القصوى

والآن سأكمل بقية التدوينة بإذن الله سعيا لإظهار كيف أن الإنسان بالفعل لديه ذكاء كامل ولكن كامن

لو ملأنا صندوقا حجمه لتر – أي ديسيمتر مكـعّـب – بالماء فإننا حين نضعه على الميزان سنجده يزن كيلوا جراما واحدا تماما – طبعا باستثناء وزن الصندوق نفسه

بينما لو فرغنا ذاك الصندوق من الماء تماما وملأناه بالزيت عوضا عن الماء فإننا سنجد أن وزنه أقل من كيلوا جرام واحد رغم أن كمية الزيت مساوية تماما لكمية الماء … لتر من كليهما

إنهما تماما يتصرفان كما يتصرف الحديد والقطن في السؤال اللطيف أيهما أثقل كيلو من القطن أم كيلو من الحديد والذي إجابته هو أنه ليس هناك من هو أثقل من الآخر لأنهما من الأساس محسوما الوزن … كيلو من كل منهما

بينما لو كان السؤال مثلا : أيهما أثقل … صندوق من الحديد أم صندوق من القطن فستكون الإجابة بأن صندوق الحديد هو الأثقل لأنهما غير محسومي الوزن سلفا إنما محسومي الكمية … صندوق من كل

منهما

 فكذلك الإنسان … حجم استيعابه – مجازا – لتر أو ديسيمتر مكعـّـب

ثم يتباين الناس أيما تباين في الحيز المحشو من هذا المكـعـّـب ونوع الحشو

كما أنهم يتباينون أيضا في مدى حفظهم لهذا المكـعـّـب من الثقوب والآفات

إذن الإنسان الذي يملأ مكـعـّـبه تماما بالماء العذب الزلال – لا بالزيت أو غيره – ويحافظ على مكـعـّـبه من أي ثقب قد يسرب عليه الماء فهو أذكى وأعقل البشر

فهذا بالفعل يزن مكـعـّـبه كيلوا جراما كاملا

بينما قد يكون هناك من يملأ كامل مكعبه ولكن بالزيت …. فرغم كون مكعبه خال من الثقوب إلا أنه لا يزال أقل ذكاء من سابقه لأن مكعبه لا يزن كيلوا جراما كاملا

فالزيت أقل كثافة من الماء …. وهكذا فكثافته الفكرية ألطف من كثافة سابقه

 رغم أن الاثنين قد حباهما الله بنفس حجم الوعاء … لتر أو ديسيمتر مكـعـّـب

ولهذا قال – صلى الله عليه وسلم – بما معناه أن من جعل همه الله كفاه الله باقي الهموم ومن جعل همه غير الله شتته الله في أودية الدنيا أو الهموم أو كما قال عليه الصلاة والسلام

فلنتلمس من هذا الحديث الشريف ما نفهم به مقصودنا وهو الآتي

هناك من يحشو وعاءه بغير الله … فحتى لو كان ممتلئا فلن يزن الكيلو جرام الكامل

وهناك من يحشو في وعائه مع الله غير الله … فبقدر ما حشا حيزا من وعاءه بالله بقدر ما استفاد من هذا الحيز ثم بقدر ما حشا نفس الحيز بغير الله بقدر ما فوت فرصة أن يحشوه بالله

والصنف الأخير  هؤلاء هم على ما أظن من يتم إطلاق عبارة ” مُخلِّـط ” عليهم … فهؤلاء يسري يومهم بخليط من المعاصي والطاعات ولهذا لا تجده سعيدا هنيئا حقا

ثم إنّ من باع الله وآخرته وحشا كامل وعائه بغير الله … ستجده سعيدا لأن مكعبه ممتلئ ولكنه سعيد سعادة وهمية  فهو مغشوش مغرر به

قال بو محضار … ياليافعي … غشوك بالزعتر … أي بالزيت عوضا عن الماء أي بما سوى الله عوضا عن الله جل وعلا

ثم إن من المعاصي ما يكون مفعوله مفعول “الأسيد”  … الحمض المذيب لجدار وعائه … وهذا حتى وإن ملأ كامل وعائه بالماء … أي بالله فإنه يبقى مجهدا مرهقا لأنه على الدوام يجب أن يضع في وعائه ما يعادل ما يخرج من ثقبه الحاصل بذوبان جداره بفعل حمض معاصيه الكيميائية

لك أخي القارئ أن تُـقـلِّـب هذا المثال يمنة ويسرة كيفما تشاء حتى تتخيل به أحوال الناس – وحالك معهم

قد تكون هناك أنواع من التوبة قلوية التركيب فتعاكس مفعول الحمض كالاستغفار مثلا … وقد تكون هناك أنواع من الطاعات تلحم ما تم ثقبه من جدار الوعاء كالحج أو البر

وقد يكون الشأن في هذا لله لا لك أيها العبد المسكين … وهذا أفضل طبعا … فكون الله هو الذي يحدد لك الحاجة من الطاعة … – للحام أو لمعادلة الحمض أو لحشو حيز فارغ – فهذا طبعا جدا مريح

لسببين … أولهما أن المولى قام عنك بذلك .. . فما عليك إلا الجد لتجميع الحسنات أيا كانت

ثانيهما … أن حكمته أبعد وأنفذ بصيرة من خاصتك … فسيكون ترتيبه لهذا الأمر كخير ما يكون … فهو خالق وعائك وهو الأدرى والأبصر به منك

والله أعلم

Advertisements

14 thoughts on “الكثافة الفكرية

  1. مش ممكن……مش طبيعي…روعه ثم روعه ثم روعه….فعلا جناإأإأإأإأأإإاإاإاإاإاآاآاآا……آاآاآاآان
    حبيته..خفيف ومعبر وشيق و….

    باعتبرها تعويض حق المدة الماضية ويارب تستمر عندك هذه الثقه بالله

    لو جبت الحديث حق كقاه هم …بيكون أحلى بكثير
    واصل

  2. بصراحة وبلا مجاملة .. هذه التدوينه هي أجمل وأحلى وأذكى ما كتبت ..روعة بكل ما تحمله الكلمة من معنى .. فقد أعجبني أسلوبك الذكي في القياس والتشبيه وتوفقت كل التوفيق في اختيار التشبيه المناسب لإبراز الفكرة على الرغم من صعوبة الموضوع وحساسيته – ألا وهو العبادة – متميز دائما أخي بطرحك وأسلوبك الراقي في سرد ما يجول في ذهنك وبلا معاناه

    تأكد يا أخي أن ما طرحته في هذه التدوينه بحد ذاته طرح ذكي وينم عن ذكاء الكاتب وكثافته الفكرية العالية

    شكرا مرة أخرى أخي .. والله لا يحرمنا من كتاباتك الراقية التي نحن بحاجة إليها دائما

    • حين يُمدح امرؤ فإنه يرد على مادحه بعبارة : عيونك الحلوة
      وهأنذا يا صبري أقول لك … عينا بصرك وبصيرتك هما الأحلى

      وبالفعل … إن متذوق الجمال لا يخلو عن جمال ذاتي وإلا فكيف سيعرف معنى الجمال … وفاقد الشيء لايعطيه
      عموما أشكرك يا صبري على هذا التعليق الناري وأتمنى بالفعل أن أكون قد كتبت شيئا ذا بال … يستحق منك هذا الإطراء

  3. أخي وصديقي عبدالرحمن فالبداية احب ان أقول لك اني اسعد شخص بهذه التدوينه وشكرا لك على هذا الموضوع الرائع الذي لطالما تناقشت معك فيه،، وكتابتك اليوم وبهذا الأسلوب العلمي الرائع فأنا أهنأ نفسي لأنك على الطريق الصحيح وهذه التدوينه أجدها الأفضل لما تحتويه من فائده دنيوية واخروية …
    قال الله تعالى 😦 إنما يخشى الله من عبادة العلماء )
    هذه الآيه الكريمة تلخص الجزء المهم من تدوينتك
    سأكتفي بهذا القدر وأدام الله علينا وعليكم فضله وعلمه

    تحياتي

    • أرجو بالفعل أخي عبد الكريم أن نكون جميعا على الطريق الصحيح، إنه بالفعل لمفرح أن نكون كذلك، كما أنه من المفرح بحق اقتناءأصدقاء محبين كأمثالك يلقون لك أسماعهم ويقوّمون مسارك إن اعوج

      وأخيرا أعتقد أخي عبد الكريم أنني دون إطراءك القيّم كما أنني أرجو وأطمح إلى أن تـُـدلي أنت بدلوك أيضا في عالم الكتابة، فعباراتك سهلة التسلل والنفاذ خلسة إلى أعماق القلب

  4. السلام عليكم ماشاء الله عليك لا ازيد على ردود القراء فهم كفو ووفوا ارجوا ان لاتحرمنى من افكارك

  5. كم هو جميل منك هذا الإقبال والانتظار … ليت القريحة طيـّـعة بنفس الوتيرة. أبشر … سأفعل قريبا بإذن الله

  6. اخي الكاتب . أهنيك على هذا الموضوع المكثف والشيق و اتمنى قراءة المزيد من كتاباتك . لدي ملحوظة بسيطة : بخصوص ادراج احد احاديث الرسول عليه الصلاة والسلام ، يرجى مراعاة وضع الحديث بنصه الصحيح مع العلم ان تفسيرك للحديث جميل . تحياتي و في انتظار الجديد .

    • أشكرك أحمد … فلربما تجاوزت حدودي بادعائي تفسير الحديث فضلا عن سرده بخلاف نصه الحقيقي
      أعتقد أن المؤمن يحتاج لمعرفة الحدود الفاصلة بين المسموح وغير المسموح في فهم الأحاديث والآيات، لأنه لو كان التفسير محكورا تماما على العلماء لكان يعني ذلك أنه حتى مجرد الخاطرة التي ترد على بال العوام هي محرمة عليهم لأنها بنظري تفسير من التفاسير.وهكذا يكون الدين عبارة عن سطور من الكود ونحن سيرفرات صماء عمياء تطبق حرفيا دونما أي تفكر أو تأمل

    • Thanks Ali … wishing is not the same as hoping.
      Wishing is for those things that are expected impossible or too difficult to happen.
      Example: “My son is kidnapped … I wish I could get him back” …!wrong! It means that the father doesn’t expect to see his son again. ” My son is kidnapped, I hope he gets back soon and easily”…!makes sense!
      Unless you don’t expect all the best for me … then using wish instead of hope is correct!

رأيك؟ حبذا لو أدرجت اسمك أو عنوان بريدك الإلكتروني

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s