Time is money … الوقت من ذهب

* ملاحظة .. هذه التدوينة مشاركة في مسابقة التدوين الثانية *

ظن العلماء أنهم سقفوا العلم بعد إسهامات السير إسحاق نيوتن … فما قاربوا القرن العشرين إلا وقد سبروا غور أغلب الظواهر الكونية. بيد أن عالما مغمورا قلب الطاولة رأسا على عقب عند مشارف القرن العشرين … ألبرت آينشتاين

   ومن وقته والعلماء – ومعهم عامة الناس – يحاولون أن يتكيفوا شيئا فشيئا مع اعتبار قوائم الطاولة هي الرأس واعتبار أعلاها هو العقب! العجيب الغريب أنه لم يفعل سوى أنه بكل بساطة تـقـَـبـَّـلَ بصدر رحب ما كان يرفضه غيره. إن ثبات سرعة الضوء – بحق – قد جـَـنـَّـنَ العلماء ولم يستطيعوا تـَـقـَـبـُّـل ذلك فأمضوا أوقاتهم إما في إعادة قياسها أو في إقامة افتراضات تعسفية من شأنها احتواء ثبات سرعة الضوء كثبات نسبي غير دائم. مهلا أخي القارئ … لم أعهدك ملولا … بقي كذا سطر ثم ألج إلى الفكرة المنشودة من هذه التدوينة. وحتى أبرر لك جنونهم أطلب منك – أخي القارئ – أن تفترض أنك واقف أو راجل – يعني لست راكبا – وأنّ سيارة تمر بجانبك بسرعة مئة كيلو متر في الساعة … افتراض بسيط وظريف للغاية. والآن تخيل أنك قررت أن تصعد سيارتك لتنطلق بها للحاق بتلك السيارة … ! المفاجأة هي أنك مهما زدت من سرعة سيارتك … فإن تلك السيارة التي مرت بجانبك تبقى تسير بالنسبة لك بنفس السرعة التي كانت عليها حين مرت بجانبك رغم أنك الآن لم تعد واقفا كالأول بل صرت منطلقا خلفها بسيارتك … بمعنى أن تلك السيارة لا تزال تسير بالنسبة لك بسرعة مئة كيلومتر في الساعة … أجل ستقول لي أنها ما زالت كذلك فالتغيير طرأ على سرعتك أنت، لا سرعتها هي … لأنك أنت الذي كنت واقفا ثم انطلقت بسيارتك! صحيح ولكن الطبيعي للجميع – سابقا – هو أنك إن كنت واقفا فإن السيارة التي تتخطاك بسرعة مئة كيلو متر في الساعة، ستشعر بأنك إذا انطلقت خلفها بسرعة أربعين كيلومتر في الساعة —-> ستشعر وكأنك ثابت بالنسبة لها لا  تقترب منها بل هي التي تبتعد عنك بسرعة ستين كيلومتر في الساعة، وهذه الستون هي الفرق بين أربعينك ومئة السيارة حين كنت واقفا. فهناك إذن سرعتان للسيارة المارة بجانبك … فهي لا تزال مئة كيلومتر في الساعة بالنسبة للأشخاص الراجلين على جادة الطريق، وهي ستون كيلو متر في الساعة بالنسبة لك أنت أيها المنطلق خلفها بسرعة أربعين كيلومتر في الساعة. ولكن شعاع الضوء – طال عمره – شخص غير منافق ولا يستخدم الأقنعة … فلو كان شعاع الضوء هو المار بجانبك عوضا عن السيارة … فإنك حتى وإن حاولت اللحاق أو اللحوق به فستبقى له سرعة واحدة هي نفسها بالنسبة لمن لا يزال واقفا. أي كأنك يا أبا زيد ما غزيت … سرعة شعاع الضوء هي هي نفسها سواء كنت تجري خلف الشعاع أو كنت واقفا بالنسبة له. وهذا ما بسببه جـُـنَّ جنون العلماء … لأنه حسب ما ألفوه يجب أن تتفاوت سرعة شعاع الضوء تبعا لسرعة من يقيسه، فقياس الواقف بالنسبة للشعاع يجب أن يكون غير قياس المتحرك. جاء آينشتاين … وقال لهم : يا جماعة على رسلكم … لا داعي للعصبية والتوتر … الأمور طيبة، خلوا بينكم وبين ثبات سرعة الضوء … دعوا سرعة الضوء ثابتة … ولكن هناك ما تظنون بأنه ثابت وقد لا يكون ثابتا … ألا وهو انسياب الوقت. فقد لا يكون بالضرورة أن تمر عند الرجل الواقف دقيقة إذا مرت على الرجل المتحرك دقيقة، بمعنى أن الرجل الواقف على جادة الطريق قد تمر عليه كل دقيقة وكأنها دقيقة بينما الرجل الذي يجري خلف الشعاع قد تمر عليه كل دقيقة وكأنها دقيقتان – مثلا – من دقائق الشخص الواقف بسبب فرق السرعتين بين الواقف والمتحرك … وهكذا فإن الفرق المتوقع بين قياس الرجل الواقف لسرعة شعاع الضوء وقياس الرجل الآخر لسرعة نفس الشعاع – أي الرجل المنطلق بالسيارة خلف الشعاع … هذا الفرق المتوقع بين قياسي الرجلين لسرعة الشعاع يجبره أو يعادله أو يوزّنه امتطاط الوقت عند الرجل المنطلق بحيث يتطابق قياسه مع قياس الرجل الواقف وهكذا لا يكون هناك فرق، وهذا الامتطاط يتفاوت حسب تفاوت سرعة الرجل المنطلق … فكلما حاول أن يزيد من سرعته للحاق بالشعاع كلما امتط وقت الرجل أكثر فيبقى الشعاع محشوما. أي يبقى الشعاع سائرا بالنسبة لمن يجري خلفه ولمن هو واقف بنفس السرعة … يبقى سائرا بالنسبة للجميع بنفس السرعة. وكأن لسان حال الوقت يقول للمنطلق بسيارته خلف شعاع الضوء : “… لا تحاول … فمهما زدْت من سرعة سيارتك فإني سوف أتباطأ وأتمدد حتى أقاوم زيادة السرعة بحيث أجعلك وكأنك واقف بالنسبة للشعاع ” … وهكذا تبقى سرعة الشعاع نفسها سواء أقاسها الواقف أم قاسها المتحرك. وكأني أسمع منك – أخي القارئ – زفرة إثر تنهيدة عميقة! اسمح لي فقط أن أصوغ لك مثال السيارة مع الشعاع بكل بساطة كالآتي

    ألم تحاول يوما حين كنت طفلا تلهو ببراءة أن تدوس على ظلالك في الأرض ؟ كلما خطوت برجلك مسافة أوسع لتدوس على ظلال رأسك أو بطنك … تجد أن قدمك تهوي دائما على ظلال قدمك، ولكن لأنك طفل عبقري مفعم بروح التحدي والإصرار والعفوية  في آن … فإنك تزيد من سرعة خطاك محاولا أن تسبق قدمك ظلالك بحيث تستطيع أن تهوي بها على الأرض قبل تمام ظلالك … أي أن تهوي على ظلال رأسك أو ظلال بطنك … وطبعا لا تستطيع … فتظن أن سرعتك غير كافية .. فتزيدها ثم تزيدها ثم تزيدها … بلا جدوى. فهكذا إرادتك للحاق بشعاع الضوء كإرادتك أن تطأ بقدمك – وإنت بكرامة – على ظلال ما يسبق قدمك … كلما زدت من سرعة السيارة كأنك كلما زدت من سرعة خطاك، ولكنك لا تقترب من سرعة الشعاع أبدا كما أنك لا تطأ على غير قدمك أبدا، لأن الوقت يزداد معدله حتما وآنيا كلما زدت سرعة السيارة كما أن ظلاك يسرع معك آنيا وحتما كلما أسرعت الخطى. فكما أن الظلال ليس له إلا أن يراوغ استجابة لزيادة سرعة الخطى، فكذلك الوقت ليس له إلا أن يراوغ استجابة للرغبة باللحاق بالشعاع. إذن الزمن مرن غير جامد كما كنا نظن … فإن مرت عند أحدنا ثانية … فليس بالضرورة أن الكون برمته مرت عليه ثانية .. ربما ثانيتان أو ثلاث أو ألوف السنين أو العكس! إن أمر الزمن والسرعة هو بالضبط ما يحصل عندما تزيد من السرعة الطبيعية لفيلم يعرض مثلا سباقا للسيارات … فمهما زدت من سرعة عرض الفيلم … فلن تستطيع أن تغير أحداث السباق بحيث تغير ترتيب الصدارة بين السيارات لأنك أيضا تزيد من سرعة نبضات ساعات المتسابقين .. فزيادتك لسرعة عرض الفيلم يعادلها دوما زيادة سرعة تكّات ساعات سائقي السيارات إذ إنك سترى السيارات أسرع من ذي قبل وكذلك تكات ساعات سائقيها، وفي المحصلة … لن تتقدم سيارة أو تتأخر عن ترتيبها الذي كانت عليه بين السيارات حين كانت سرعة عرض الفيلم طبيعية. والأمر هو ذاته إن أخـّـرت سرعة عرض الفيلم ولكن بالعكس … ستتباطأ حركة السيارات وكذلك ستتباطأ بنفس المعدل تكّات ساعات السائقين التي في معاصم أيديهم، ولكن في المحصلة يبقى ترتيب السيارات بل وكل الأحداث في الفيلم على ما هي عليه فلن تستطيع أبدا أن تجعل سيارة تتأخر عن أخرى كانت تتقدم عليها طبيعيا. كل ما ستستطيع تغييره هو أن تمط الفيلم جملة واحدة … فعوضا عن أن يستغرق عرض الفيلم ساعة مثلا … سيستغرق مثلا ساعتين وترى الأحداث فيه ثقيلة متباطئة. ولو افترضنا مجازا أنك سألت المتسابقين بعد نهاية استعراضك للفيلم المبطّأ … هل شعرتم بأن السباق كان بطيئا أو أن شيئا غريبا كان يحدث أو أن ساعاتكم تباطأت؟ فقطعا ستكون إجابتهم بالنفي لأن التغيير حصل لهم بالجملة أمّا تفاصيل الأحداث فقد بقي التفاوت بينها على انسجامه. وهو تماما كما تقوم بإنقاص أطوال أضلاع المثلث بنسبة ثابتة لكل ضلع … لنقل إن الأطوال هي ستة، ثمانية، عشرة ثم صارت بنفس الترتيب ثلاثة، أربعة، خمسة، أي النصف للجميع، ففي الحالتين تبقى زوايا المثلث على قياسها … وكأن لسان حال المثلث يقول لك … ” لا أشعر بأي تغيير” … ولكنه فعليا تقزّم دون أن يدرك ذلك. وهكذا كلما أبطأت من سرعة عرض الفيلم … كلما تباطأت أحداثه وطالت فترة الفيلم بالإجمال، وهكذا … حتى تقوم بإيقاف انسياب عرض الفيلم تماما فتصبح سرعة عرض الفيلم صفرا. هنا … يقف الزمن … فسوف تستمر لا ترى إلا اللقطة التي عندها وصلت سرعة عرض الفيلم إلى الصفر .. ولن ترى ما بعدها ؟؟؟؟؟؟ ولا ما قبلها  ؟؟؟؟؟؟ مهلا … لم لا أستطيع أن أرى ما قبلها …. أليس بإمكاني أن أعكس اتجاه عرض الفيلم؟ كما تماما بإمكاني أن لا أعكس اتجاه العرض بل أعرض بنفس الاتجاه لأرى ما بعد اللقطة … أليس كذلك؟ أي أن تخطو بالوقت إلى المستقبل أو تعود به إلى الماضي  أو لا هذا ولا ذاك. لأنك حين تزيد من سرعة العرض فإنك ترى اللقطات تباعا أسرع من غيرك الذي يرى الفيلم بسرعته الطبيعية .. وهكذا فأنت ترى اللقطات قبله، أي كأنك رحلت إلى المستقبل بالنسبة لمن يرى الفيلم بالسرعة الطبيعية وعدت إليه لتخبره بما سيراه هو أنه سيحدث لاحقا في وقته الطبيعي. ولأنك حين تترك الفيلم ينساب عرضه بسرعته الطبيعية فأنت ترى اللقطات طبيعيا وهكذا فكأن حاضرك يجر إلى نفسه المستقبل حدثا تلو حدث بانسياب طبيعي فيغدو كل حدث حاضرا مُعاشا. ولأنك حين تقوم بإنقاص سرعة العرض إلى الصفر فإنك توقف زمن الفيلم فكأنك هنا لا تسمح لحاضرك أن يجر أحداث المستقبل فلا يتغير حاضرك من حدث إلى حدث وتنحصر في حدث واحد. وآخـِـرا وليس ” أخيرا “… أترك لخيالك أخي القارئ العودة بالزمن إلى الماضي بحيث يقوم حاضرك بـِـجـَـرِّ أحداث الماضي حدثا تلو حدث فيغدو كل حدث حاضرا مُعاشا. أما ” أخيرا ” فهو كون الوقت – اقتصاديا – كالإسفنج تماما كما بان لنا أعلاه أنه – فيزيائيا – كالإسفنج  يتمدد وينكمش …  وإيضاحه كالآتي: قبل الإيضاح … يحضرني في ذهني الآن ما قاله الشعراوي حول ما قد يكون بسببه قد تم اعتبار الصلاة عماد الدين. إذ – حسب قوله – الصلاة جامعة لأركان الدين الخمس … فأنت حين تصلي فإنك تتلفظ بالشهادتين في التحيات … هذا ركن، وبالطبع فإن ركن الصلاة حاصل بالصلاة نفسها أما ركن الحج مثلا فهو حاصل بتوجهك إلى القبلة، وركن الصوم حاصل بإمساكك عن الطعام والشراب والجماع أثناء الصلاة بل وحتى عن الكلام … أما ركن الزكاة الذي هو هنا مربط فرسنا فهو حاصل بالصلاة أيضا … كيف ذلك يا ترى؟ يقول الإمام الشعراوي إن المال المستوفي لشروط الزكاة وبالتالي المستلزم لصاحبه بأن يزكي به  … هذا المال إنما اكتسبه صاحبه بصرف شيئ من وقته لجني ذلك المال، وهو حين يصلي فهو إنما يخصص وقتا لمقابلة ربه عوضا عن أن يخصصه لمزاولة مهمة أو عمل ما بحيث يجني من ورائه شيئا يوازيه من المال. الآن أصوغ ما قاله الشعراوي وأضيف عليه كالآتي : إن ساعات الزمان ما هي إلا خزانات مالية … أو  … لنقل إن ساعات الزمان هي قطع إسفنج متساوية كل قطعة منها تستوعب كمّا معينا من الماء عوضا عن المال @ زووووو…وووم إن @ لنقل إن كمية المال القصوى المفترض الحصول عليها لقاء الجهد المبذول خلال ساعة زمنية  واحدة هي كمية فنجان من الماء متشربة في قطعة إسفنج واحدة، فكما أن الساعة الزمنية لا تستطيع أن تحصل منها بالعمل التام المتقن سوى على تلك الكمية القصوى من المال، فكذلك قطعة الإسفنج لا تستطيع أن تعصر منها باليد القوية سوى ذاك الفنجان من الماء … فالقطعة يتم تشبعها بفنجان من الماء بحيث لو صببت عليها مزيدا من الماء فلن يتسرب إليها بل سينساب عنها إلى خارجها وكذلك مهما عصرتها بعد استخراج كامل كمية فنجان الماء منها فلن تحصل منها على أية قطرة إضافية من الماء مهما شددت عليها العصر. لنلجأ إلى الرموز اختصارا لطول التدوينة

س من العمل في ساعة واحدة = ص من المال

س من شدة العصر لإسفنجة واحدة = ص من الماء

فــَـ  س  هي العمل التام وهي نفس الشدة الكاملة للعصر ويقابلها ص أي الكمية القصوى من المال أو كامل كمية فنجان الماء. قد أعمل لمدة ساعة كاملة ولكن بنصف النشاط المطلوب … إذن سأجني نصف كمية المال القصوى لقاء ذلك العمل أي إن الإنتاجية هنا هي النصف لأن الإنجاز أو الأداء تراجع إلى النصف

نصف س من العمل في ساعة واحدة = نصف ص من المال

وبالمثل قد أعصر الإسفنجة الواحدة نصف عصرة أو نصف شدة العصر المعهود فإذن سأحصل على نصف كمية فنجان من الماء

نصف س من شدة العصر لإسفنجة واحدة = نصف ص من كمية فنجان من الماء

الآن … تخيّل أن أحد المحتالين حقن إبرة فارغة في قطعة الإسفنج الممتلئة وسحب منها شيئا من الماء دون أي عصر ثم قمت أنت بعصر الإسفنجة عصرا تاما، هل ستحصل على كمية فنجان من الماء كاملة ؟ إنك رغم عصرك للإسفنجة عصرا تاما إلا أنك لن تحصل منها سوى على أقل من كمية فنجان كامل من الماء، أي

س من شدة العصر لإسفنجة واحدة لا = ص من الماء

أي إن المعادلة اختلت ولكن لأن الطبيعة دوما توازن نفسها بنفسها – فطرة من الله – فإن الاختلال أيضا متدارَك! في الحقيقة إن الاختلال بدأ حين تم سحب الماء ظلما بالإبرة، وكردة فعل موازنة لما جرى فإن العصرة التامة لم تعد تعطي كمية فنجان كامل من الماء بل كمية فنجان ناقص من الماء بقدر ما سحبته الإبرة … لـِـنـُـسـْـقـِـط الآن هذا السيناريو على الواقع … كما سحبنا ماء من الإسفنجة – احتيالا – دون عصر، فإننا سنسحب مالا من الساعة الزمنية – ربا – دون عمل. فالدَّين  – بفتح الدال –  فكرته أو شكله العام هو أن يقرضك شخص ما مالا ثم تقوم بإعادته إليه بعد زمن – وحتى الآن الوضع طبيعي. فإن أنت أو هو قمتما بعمل خلال ذلك الزمن فسيحصل كل منكما على مال لقاء هذا العمل، وإن عمل أحدكما ولم يعمل الآخر سيحصل العامل فقط على المال  ولن يحصل الآخر على مال، وإن لم يقم أي منكما بالعمل فلن يحصل أي منكما على أي من المال، ولكن فإنه في كل تلك الحالات ستقوم أنت بإعادة المال المستدان إلى الدائن ولا علاقة  لهذا المال بأي من الأموال التي قد يجنيها أحدكما بافتراض عمله خلال زمن سداد الدين المتفق عليه سلفا، أي إن فترة السداد – بما قد تدره من أموال – هي براء من مال الدين بين الدائن والمدين. ولكن الربا يقحم فترة سداد الدين في الدين عنوة، …  فالمرابي يأخذ فوق دينه عوضا ماليا يقابل به فترة السداد بغض النظر عن كون المرابي أو المدين أو كليهما قد عملا أو لم يعملا في تلك الفترة. أي إن الربا هو مال تم سلبه عنوة من زمان لا اعتبار بالعمل فيه من عدمه  … تماما كالماء المسحوب من الإسفنجة دون اعتبار للعصر من عدمه،  …. وعليه فإنه مثلما لن تعطيك الإسفنجة فنجانا كاملا بالعصر التام فكذلك لن تعطيك الساعة المراباة الكمية القصوى من المال بل ستعطيك مالا ناقصا بقدر ما أخذه غيرك ربا رغم أنك عملت في هذه الساعة بشكل تام ومتقن لا بشكل كسول أو ناقص، وحيث إنّ تلك الساعة المراباة هي بين اثنين فقط  أي هي بين المرابى له  – يعني المرابي الآخذ – وبين المرابى عليه، إلا أن تلك الساعة هي ظرف يمر على الجميع … أي إنّ الجميع يستعمل نفس الساعة الزمانية. أي إن عملية ربا واحدة بين طرفين تضر بجميع الناس. فالجميع يعمل في هذه الساعة بطريقته المألوفة ولكنه لا يشعر بمردودها المعهود … لأنها منقوصة ! فكيف إذا كانت هذه الساعة الزمانية أو حتى السنة الزمانية متداولة بالربا على أيدي ألوف المصارف الربوية حول العالم .. لا وأزيدك من الشعر بيت …. ربا مركب يا حبيب الشعب. لك أخي القارئ أن تتخيل مدى النزيف الذي تنزفه الأزمان من جراء هذه الصفقات الربوية … أي مدى المحقة أو عدم البركة الذي بات ديدنا يدندنه سائر الناس تذمرا … إليك أخي القارئ هذا الحديث على ذمة صفحة النت التي اقتبست الحديث منها

جاء في مسند أحمد بن حنبل رقم الحديث: 10191 7 (حديث مرفوع) حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ رَاشِدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي خَيْرَةَ ، قََالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ مُنْذُ نَحْوٍ مِنْ أَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسِينَ سَنَةً ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَأْكُلُونَ فِيهِ الرِّبَا ” ، قَالَ : قِيلَ لَهُ : النَّاسُ كُلُّهُمْ ؟ قَالَ : ” مَنْ لَمْ يَأْكُلْهُ مِنْهُمْ ، نَالَهُ مِنْ غُبَارِهِ “. والله أعلم بدقة متن الحديث وسنده … الشاهد هنا أن الربا تغلغل في أوصال المجتمع كافة … فما من مال إلا وله اتصال من قريب أو بعيد في نهاية المطاف بمصرف ربوي. ولهذا عم انمحاق البركة في الأوقات وصار عرفا من أعراف هذا الزمان. ولهذا ربما تكون الصدقات مضادا للربا لأن الصدقة هي استحقاق مال دون استغلال زمن في عمل. كأننا بالصدقة نحقن الإسفنجة بالماء دون تغيير لمستوى انعصارها … وهنا أستأنس بالآية الكريمة  القائلة

يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كُفَّارٍ أَثِيمٍ

 البقرة الآية رقم 276

لاحظ أن المولى أردف لفظة يربي مباشرة بعد لفظة الربا فيما يشعر السامع بالتقابل أو التضاد، كما أنّ اللفظتين جاءتا بين عبارة “يمحق الله” وبين عبارة ” الصدقات والله “، وأعتقد أن هذا ملاحظ واقعيا … فكلما ابتعدت عن دائرة المصارف الربوية كلما شعرت ببركة الوقت، وخير مثال على ذلك الأرياف والقرى وبشكل عام كل منطقة لا تزال بكرا لم تفضضها الحضارة الحديثة  … أو عفوا … الحقارة الحديثة

كما أنه قد تصادق الناس على أن منطقة الحرمين الشريفين لا تزال أبرك من غيرها رغم إنها لم تسلم هي الأخرى من المصارف الربوية، ويبررون تلك البركة بوجود الحرمين الشريفين

وأنا كذلك أبرر هذه البركة النسبية بوجود الحرمين ولكن لا لمجرد الوجود فحسب … بل لأن الحرمين من أكثر الحوافز وأشدها للناس على الصدقات والتبرعات وخاصة بموائد الطعام إن لم تكن بالمال … فلهذا أظن أن تأثير الربا في تلك النواحي أقل تأثيرا من غيرها لديمومة الصدقات اليومية في تلك النواحي المباركة فضلا عن البركة الذاتية للحرمين الشريفين  صلى الله على مشرفيهما الخليل والحبيب عليهما الصلاة والسلام

إذن … الوقت فعلا من ذهب، فالمصارف أساسا تحتفظ دوما بمقابل ذهبي لقاء النقد الشائع كغطاء له بيد أن النقد الآن قد فاض على الغطاء بسبب المتاجرة بالوقت نفسه واستنزافه بالربا فصار النقد السائل بين الناس ذا قيمة متضخمة جدا جدا في مقابل الذهب المفترض مقابلته له

فالذهب – بنظري – اكتسب أو تنامت قيمته بموجب السنين المصروفة من قـِـبـَـلِ عـُمّال المناجم تنقيبا عنه، أمّا المال الشائع الآن فهو يساوي قيمة ألوف أضعاف تلك السنين المستنزفة من قـِـبـَـلِ المرابين … وأقول ألوف الأضعاف لأني آخذ بعين الاعتبار كون الربا مركبا …. أي إنه لو كان هناك حاصل إنتاج قومي بمقدار معين للأرض برمتها

GDP أو GNP

حسب اصطلاحات علم الاقتصاد التي لست متأكدا منها

فإن الربا قد ضَخَّم هذا المقدار ألوف المرات عبر السنين على حساب … على حساب أعمارنا التي صرفناها كدا وشقاء دون أخذ ما يوافيها مالا أو قيمة … لماذا ؟…  لكون الساعات المصروفة لبذل تلك الأعمال مسلوبة بالربا

الزبدة … الصدقات من شأنها أن تبارك لنا في أعمارنا التي بموجبها نستطيع أن نكثر فيها من العبادات وندفع بها شر الربا الدائر حوالينا … فبركة العمر مجال لزيادة بذل الجهد في العبادة …وكأن أجر الصدقة هو إتاحة مزيد استيعاب في عمرك لملئه بالعبادة  – والله طبعا أعلم

أذكر الآن ما كان يقوله الناجحون والذي مفاده أنهم يستطيعون خزن الأموال ولكنهم لا يستطيعون خزن الأوقات، فهم حريصون على استثمار الأوقات بنفس اهتمامهم بسياسة صرف الأموال … ولكن بعد ما شرحته أعلاه … فأظنهم لن يتحسروا على عدم استطاعتهم لخزن الأوقات … إذ بإمكانهم القيام بالأعمال الخيرية التي من شأنها أن تبارك لهم في قابلية الوقت الإنتاجية مع إعادة نظر متوافقة لسياسة صرفهم للأموال … فالأعمال الخيرية هي أيضا قيمة … أي مال ينبغي مراعاة صرفه. وصدق النبي إذ قال ” ما نقص مال من صدقة “- أو كما قال عليه السلام … فكما أنك تبذل مالا كي تتصدق به، فإنك بالتوازي مع هذا البذل تضع في خزانة الوقت مزيدا من الاستيعاب الذي يلزمك لتستوعب فيه عملا تجني من ورائه مالا …. صدة ردة … مقـيـولة … وحدة بوحدة … نقص في خانة وزيادة في أخرى …. يعني متوازنة … يعني بالفعل ما نقص مال من صدقة … صدقت يا رسول الله – صلى الله عليك وسلم

يا ترى …  هل في هذا الحديث الشريف إشارة نبوية سابقة لأوانها إلى مفهوم نسبية الوقت التي هي قلب نظرية النسبية الخاصة لآينشتاين المذكور أعلى التدوينة؟

فكما لاحظنا  … فإنّ الصدقة تعيد إلى الزمن قوته العطائية كما يعيد الضخ الحكومي للعملة قوتها الشرائية وكما يغير فرق السرعة كثافة الوقت

لست متأكدا من الضخ … هل يزيد العملة قوة أم يزيدها ضعفا … ؟ أعتقد أن الضخ يزيد في حين إن طباعة مزيد من العملات تنقص … المهم هو أن الصدقات كأنها بمثابة ضخ إلهي لعجلة اقتصاد الحياة !!! والله أعلم

* ملاحظة .. هذه التدوينة مشاركة في مسابقة التدوين الثانية *

Advertisements

4 thoughts on “Time is money … الوقت من ذهب

  1. احسنت و بارك الله في عمرك ومالك…هذه التدوينه مصقوله بشكل عجيب وهذا يدل على انك تأخذ بعين الاعتبار جميع التعليقات السابقه كي تتفادى الاخطاء التي وقعت بها في السابق.

    تستاهل الناموس

  2. شكرا أخي خالد … هذا التعليق منك إن دل على شيء فإنما يدل على موضوعيتك في النقد … كما أني ألتذ بانتشاق نـَـفـَـس ودك لي واهتمامك بي الذي يفوح من تعليقاتك

  3. السلام عليك أخي عبدالرحمن …
    وأخيرا استطعت أن أبطأ من أحداث يومي للحاق بهذه التدوينه وقراءتها … أسلوب جميل ورائع وكأني اتخيلك أمامي تشرح اللامنطق في صاحبنا المنافق شعاع الضوء _ طال عمره_ اتمنى لك التوفيق أخي عبدالرحمن ولكن لدي ملاحظة بسيطه اتمنى ان تحدد وتعرف مستوى القراء الموجه لهم مواضيعك … لولا خلفيتي عن هذا الموضوع لكنت مثل الطفل الذي يحاول اللحاق بظله …

    تحياتي

    • ما ألطف وأرق تعليقك أخي عبد الكريم وخاصة أنك بمهارة علقت على التدوينة من جنس محتواها
      كما أشكر لك وقتك المصروف لقراءتها الذي بحد ذاته يعكس استحقاقها للقراءة
      أما جمهور القرّاء … فمعك حق، فقد نصحني قبلك غير واحد أن أراعي القراء بقدر ما أراعي المقروء لهم
      سأحرص على ذلك
      وخاصة بعد نصحك أنت شخصيا إذ يبدو من تعليقك الراقي أنك ذو روح تدوينية يُحسب لنقدها ألف حساب

رأيك؟ حبذا لو أدرجت اسمك أو عنوان بريدك الإلكتروني

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s