مقاليد الحُكْم

يُولَد الإنسان دونما أدنى قدرة على التّحكّم بأي شيء ممّا وهبه الله من بصر وشم وبطش باليد ومشي بالرجل وخطاب باللسان … إلخ

فيكون معتمدا تقريبا كليّا على غيره في إدارة شؤونه وغالبا ما يكون هذا الغير أبواه

ثُمّ شيئا فشيئا يبدأ بالتعرّف والتعوّد على قدراته جنبا إلى جنب مع التعّرف والتعوّد على محيطه

وهكذا كلما زادت هذه المعرفة والعادة كلما نقصت اعتماديّته على غيره

حتى ينضج وعيه ويشتد عوده وينفق على نفسه وبالتالي يكاد يستغني تماما عن والديه

وهكذا يكون مؤهّلا تماما للشروع في المهمّة المنوطة به من قِبَل خالقه

لاحظ أن سن التكليف يبدأ تقريبا عند هذا الطّور من أطوار دورة حياة الإنسان

السؤال الآن هو … هل هذه القدرات من عقل واعٍ وبصر وشمّ وذوق ولمس وسمع وبطش باليد ومشي بالرجل وغرائز حيوانية من شهوة وغضب لديمومة حركة حياته

وهل هذا المحيط من مدرسة وبيت وعمل وأصدقاء وزملاء ورقعة أرض وسماء تُـقِـلُّـه وتُـظِلُّـه

هل فقط هذه القدرات وهذا المحيط هما كل الصلاحيات التي يحتاجها كمتطلبات رئيسيّة لمزاولة مهامّه كإنسان

؟؟

بمعنى آخر … لِمَ تَـوَقـّـفَ الإنسان في سُلّم الترقّي عند هذه الدرجة ولم يجاوزها؟

أو بصيغة أخرى … طالما أن الإنسان كان يتدرج من طفولته إلى ريعان شبابه اليانع لاكتساب صلاحيّات تؤهّله لأداء مهام

فما المانع أن يستمر في نيل مزيد من الصلاحيّات دون أن يعرقل مسيرة أداء مهامّه

فيمضي قُدُما بخطوة يمنى صوب مزيد من الترقّي وخطوة يسرى صوب مزيد من التعبّد

أو العكس على اعتبار أن الجهة اليمنى أشرف من الجهة اليسرى والعبادة أشرف من التّهيّؤ لها ولكنّها ضروريّة لها وتزيدها حُسنا

إذا سَـلّمْنا أخي القارئ – جدلا – بهذا المنطق فستكون بقيّة الكلام دائرة حول كيفية هذه الاستزادة من الصلاحيّات سواء قدرات أو بيئة

حلو الكلام؟

حتى ننطلق انطلاقة صحيحة فعلينا أن نحدّد السُّـلّمة التي انتهى إليها صعودنا

ومِنْ ثـَـمَّ نستأنف الصعود

شو المشكلة يعني؟ أليس كذلك

وهنا اسمح لي أخي القارئ أن أتمثّل بهذا البيت الفائق الحماس

ومـَـنْ يـَـتـَـهـَـيـّـب صـُـعـود الجبال … يَـعِشْ أبـَـدَ الدّهْرِ بين الحـُـفـَـر

حتى لا أطيل عليك أخي القارئ فكلّ ما أريد الوصول إليه هو

مقاليد حكم الدولة … دولة الكـُهـْـروب – تعريب كلمة الإلكترون

وفي عجالة سأختصر لك سيناريو البشرية حتى هذه الفترة

انتهى زمام الأمور إلى بني إسرائيل ولم يبقَ سوى اللّبِـنـَـة الأخيرة التي قال عنها النبي – صلى الله عليه وسلم – في الحديث الشريف الذي يقول في آخره

إلّا موضع لبِنـَـة – حتى يقول – فأنا اللّبِـنـَـة وأنا خاتم النبيّين

أو كما قال عليه السلام

فقد كان اليهود – والنصارى معهم لأن سيدنا عيسى جاء مؤكّدا لرسالة سيدنا موسى ومبشّرا بمحمد $ لاحظ اصطلاح العهد القديم والعهد الجديد – كانوا يعتبرون أنفسهم هم أهل العلم وغيرهم أُمـِّـيّـون

لأنّهم كانوا تقريبا هم أهل الكتاب الوحيدون

وطبعا بعد البعثة النبويّة – صلّى الله على مبعوثها – لم تبق كفتهم على رجحانها وتغيّر مفهوم الأميّة

فبعد أن كان بنو إسرائيل هم أهل العلم قراءة وكتابة وغيرهم لا يعدو مستواهم العلمي مجرّد التخاطب مشافهة نثرا وشعرا

ورغم معرفتهم بقصّة الخضر مع سيدنا موسى بسبب إجابة سيدنا موسى لسائله عن أعلم أهل الأرض بكونه هو نفسه أعلم أهل الأرض

إلا أنهم لا يزالون يعتبرون أنفسهم الأولى بالعلم من غيرهم ويستميتون لإبقاء غيرهم أمي

أما وقد نزلت ‘ اقرأ ‘ لتوازن الكفتين

فإنهم الآن يسعون جاهدين لاصطناع أميّة حديثة … أمية تكنولوجيّة

فهم يتعاملون بها قراءة وكتابة – بكل أشكال السيطرة على علوم الحاسب

بل ويلوون عصب سير الحياة عنوة نحو ترنتة أو أتمتة أو كهربة أو @@ عنكبة @@ ما أمكنهم من أشكال التعامل البشري تجاريا واقتصاديا وأكاديميا وتواصليا

حتى إنهم استخدموا هذا المفهوم بطريقة شبه مكشوفة بقصد أو بغير قصد إذ أسموا هذه الدولة … الشبكة العنكبوتية العالمية

World Wide Web

WWW

مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ

الآية 41 من سورة العنكبوت

أشعر شخصيا وكأن هذه الآية تؤشّر من بعيد إلى الإنترنت والله أعلم

فهم الآن العلماء ونحن مجرد أميين بالكاد نتصفح الشبكة أو نتفقد صناديق بريدنا الإلكتروني أو نتهارف عبر موقع التغريد

أو نثرثر في مدوّنات كهذه التي أثرثر فيها

إننا لا نعتبر حتى مجرد جنود مشاة في هذه الثورة المعلوماتية

كل ما هنالك هو أننا ننخرط بوتيرة متزايدة في شبكة العنكبوت هذه بحيث إننا لن نستطيع الفكاك منها بعد فترة ليست – بظني – ببعيدة

دعك من التيّارات القائلة بأن التكنولوجيا آيلة إلى الزوال  … فحتى لو كان هذا صحيحا عما قريب

فمن المهم أن لا ننهزم في هذه الجولة وأن نسارع إلى قلب دفة السيطرة قدر الإمكان حتى نستطيع أن نسود في الجولات القادمة

سواء بتكنولوجيا أو بأي مفهوم آخر من مفاهيم العلم أو الدولة أو النفوذ والهيمنة بشكل عام

الزبدة

هناك قطعا وبدون أدنى شك دولة خفية أرضها هي الشبكة ومواطنوها هم نحن السّـُـذَّج – جمع ساذج – مع احترامي سيادة القارئ

أما حكّامها فهم قراصنة البرمجة وأنظمة التشغيل والذكاء الاصطناعي

وحيث إن الحكومات تسعى حثيثا لنيل قصب السبق في مبارايات الحَــ وْ كَـمة الكهروبية – أي الإلكترونية

فهذا مُؤشِّر غاية في الخطورة إلى ما أرمي إليه

فقد تفلت الأمور يوما بطريقة مقصودة فتكون مقاليد الحكم عالميا بيد أرباب دولة الكهروب حتى تلتهمنا أم العناكب فريسة سهلة وفي متناول شبكتها

علينا بالقرصنة والهكرنة والبرمجة والنّجْلَزَة حتى نفوز بالثورة ومن ثمّ نعود للفقه والعَـوْرَبَة

وسلامتكم

Advertisements

13 thoughts on “مقاليد الحُكْم

  1. قلم خفيف…مريح للأعصاب..يأخذك في جولة عقلية وكأنما هي استجمام للعقل او إعادة شحن لمراكز القوة فيه..مقال العنكبوت الذي لم أفرغ بعد من قراءته..أعجبني …أنا فعلا ممن يؤمن بنظرية المؤامرة.. Go Ahead!!!!!!

  2. أسلوب شيق في الكتابة .. وقدرة جبارة في التعبير عما يجول في خاطر الكاتب وبارتياحية كبيرة
    أشجعك على الاستمرار .. وإتحافنا بـ فلسفتك الراقية .. إلى الأمام .. وبالتوفيق

  3. المدونة تنقسم إلى جزءين ما قبل كلمة “الكهروب” و ما بعدها . . جزؤها اﻷول ذو نكهة روحية انطلاقية و الثاني نظرة تاريخية مستقبلية .
    روح كلماتك تحب و أنت إلينا أحب .

  4. بدأت المدونه بداية جميله ولكن ما ان يريد القارئ ان يعرف الهدف او الفكره الجوهريه من هذه الفقره يبدأ تدريجيا في الدخول لموضوع اخر..الفكره الاولى التي كنت تتحدث عنها هي كيفية الموصول الى صلاحيات اكثر في الحياة (اين تلك الطرق)اشرحها او اذكرها لكي تكتمل الفكره ومن ثم دخلت في موضوع اخر الذي استطيع ان اقول ان الفكره مكتمله الى حد ما

    موفقك الله

    • صدقت … فلقد تطرقت لذكر الصلاحيّات ولم أبين … وهذا ما لفت انتباهي له قارئ آخر أيضا
      كان قصدي أن الإنسان يستطيع الآن أن يجيد التعامل مع الإنترنت لتيسير أموره وتسخير أمور غيره لصالحه لو شاء
      وهذه قفزة في مفهوم النفوذ والسيطرة والصلاحيات
      فإن استغلها إيجابا فهو ترقي في العبادة وإلا … فإنه يزيد انحاء لإبليس

  5. تحياتي لا املك لك الا ان اقول انه كلام واقعي من وجهة نظري لاﻻسيما الشبكه العنكبوتيه وماوراها من خفايه
    اعجبني المقال والذي يحمل المعاني الجزله.موفق والا الامام

    • سررت بتأييدك لوجهة نظري …. وأتمنى أن نحيط بماورائيات الشبكة حتى نتوقى شرها ونتحصل على مزيد
      من الصلاحيات والاستفادات

  6. مزيج يجمع مابين روح الدعابه و الكلام المبهر ، اهنئك على هذه المدونه الشيقه الدسمه . في انتظار جديدك

رأيك؟ حبذا لو أدرجت اسمك أو عنوان بريدك الإلكتروني

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s